تولستوي.. حكيم روسيا وفيلسوفها وشيخ أدباء الخيال الواقعي
تاريخ النشر 20 Oct 2022

Alhawadeth Archive

تولستوي.. حكيم روسيا وفيلسوفها وشيخ أدباء الخيال الواقعي

 

 

يعتبر ليو تولستوي، الأديب والفيلسوف الروسي، أستاذَ الخيال الواقعي بلا منازع، وأحد أعظم الروائيين في العالم، وعلى مرّ العصور، كتب في دواخل النفس البشرية، ووصف الطبقات الاجتماعية المتفاوتة. انتقد السلطات الدينية والزمنية، ونبذ العنف والحروب. دافع عن الفلّاحين والطبقات الكادحة المهمّشة، واعتنى بتعليم أبنائهم، وكان يؤمن بأن العلم وحده هو القادر على جَسْر الهوّة بين طبقات المجتمع.

المولد والنشأة

ولد الكونت ليف نيكولايفيتش تولستوي في 28 أغسطس/آب 1828، في قرية ياسنايا بوليانا، بولاية تولا جنوب موسكو، إبان الإمبراطورية الروسية.

والدته من عائلة فولكون الشهيرة، والعريقة الحسب والنسب والإمارة، توفيت قبل أن يبلغ الثالثة من عمره، فعُهِد بأمر تربيته إلى سيدة من قريبات العائلة تدعى تاتيانا.

في 1837، انتقل به والده إلى موسكو، وهناك مات الأب في السنة نفسها، بعد أن عهد إلى الكونتيسة أوستن بالوصاية على أسرته، وبعد وفاتها في 1941 انتقل ليتربى في كنف شقيقتها بالاجيا يوشكوف، والتي انتقلت به إلى قازان. ولكنه ظلّ وفيا لمربيته الأولى تاتيانا، التي حرص على زيارتها في كل عام.

الدراسة والتكوين العلمي

في 1844، التحق بكلية قازان، لدراسة اللغات الشرقية 'العربية والتركية'، ولكنه لم يجد فيها ضالته، فآثر ترْك الكلية دون أن يحصل على شهادته الجامعية، وعاد أدراجه إلى قريته ياسنيا بوليانا، ليشرف على إقطاعيته الكبيرة، والتي ورثها عن أبيه هناك، وليرضي رغبته في الانقطاع للقراءة والكتابة والتفكر.

التحاق تولستوي بالجيش

في 1851، زاره شقيقه الضابط نيكولاي، القادم إلى الإقطاعية في إجازة من عمله مع الجيش الروسي في جبهة القوقاز، وعند انتهاء إجازته دعا أخاه ليو لمرافقته إلى الجبهة، والاستمتاع بالطبيعة الجبلية الساحرة والهواء الطلق العليل. وهناك راق له الجو، وبلغت سعادته أوجها بمرافقة الضباط والعساكر، فقرر أن يلتحق بالجيش الروسي هناك.

بعد مشاركته في حرب القوقاز نُقل إلى جبهة أخرى في شبه جزيرة القرم، وشارك هناك في معركة سيباستوبول، وبعد سقوطها ترك تولستوي حياة الجندية في 1855 وعاد إلى سان بطرسبورغ، وكان يتنقل بينها وبين موسكو كاتبًا ومفكرًا.

في فترة الجندية أصدر عدة روايات تحكي سيرته الذاتية، منها 'الطفولة' و'الصبا' و'الشباب'، ثم كتب 'القوزاق'، وهي مجموعة من القصص تحكي عن مشاهداته في منطقة القوقاز، وافتتانه بها.

شغف تولستوي بالتدريس

زار عدة دول في أوروبا الغربية بين عامي '1857-1862″، منها سويسرا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وكان هدفه الرئيس من هذه الجولة هي تعلُّم أساليب التدريس الحديثة في تلك الدول، ونقل تجاربها الرائدة في التعليم إلى طبقة الفلاحين والفقراء، لإيمانه العميق بأهمية التعليم في رفع مستوى عامة الناس، وعدم تغوّل السلطات والإقطاعيين عليهم.

ثم عاد إلى قريته وأنشأ فيها مدرسة وطنية كان ينفق عليها من ماله الخاص، ويعلِّم بنفسه أولاد الفلاحين، وأصدر مجلة سماها باسم تلك القرية، وشرع ينشر فيها مقالات أدبية وتوعوية بقصد تقويم أخلاق الأهالي والأطفال، ثم أخذ يدرب تلامذته على كتابة القصص القصيرة، وينشرها لهم في المجلة.

زواجه وحياته الخاصة

في 1862، تزوج الشاب ليو من الكونتيسة صوفيا بيرس، والتي بدورها أحبته وكرّست نفسها لخدمته والعناية بأطفاله.

ورغم بعض ما عانته معه في آخر سنين حياته، بسبب ما كان يحس به من تناقض بين مبادئه وواقعه، فإنها بقيت وفيّة له حتى وفاته.

أنجبت له 13 طفلا، مات 3 منهم في فترة الطفولة الأولى.

ملامح فلسفته ومدرسته الفكرية

كان تولستوي رجل سلام، وهو صاحب مقولة 'الشر لا يُدفَع بالشر'، وكان يصب جام غضبه على رجال الكنيسة وأعضاء الحكومة، ويرى في هذه السلطات فسادًا وتهديدًا للمجتمع الإنساني.

وزادت نقمته لعمل الحكومات لارتباطه بإعلان الحروب وتسخين الجبهات، وكان بأفكاره هذه ملهما لقيادات روحية وسياسية جاءت من بعده وسارت على خطاه، مثل المهاتما غاندي، ومارتن لوثر كنج.

مدرسته الأدبية

يعتبر تولستوي من روّاد مدرسة 'الخيال الواقعي'، بل يصفه معظم النقاد بأنه شيخ الواقعية في كل العصور، وهو الذي قال عن نفسه: 'إن بطل قصتي -الذي أحبه بكل قوة روحي، كان وما يزال وسيظل جميلًا- هو الحقيقة'.

ويرى الشاعر والناقد البريطاني في القرن الـ19 'ماثيو أرنولد'، أن 'بعض روايات تولستوي ليست عملا فنيا بل هي قطعة من الحياة'، كما يعتبر العديد من النقاد أن أعمال تولستوي تبدو بطريقة ما 'بعيدة كل البعد عن الحيلة'، وشددوا على قدرته على ملاحظة أصغر تغيرات الوعي وتسجيل أدنى حركات الجسم.

علاقته بالكنيسة والأديان

وُلِد تولستوي في أسرة مسيحية أرثوذكسية، ومع تقدمه في العمر وقع في حالة عميقة من اليأس الوجودي، وصفها في كتابه 'اعتراف'، ثم انجذب من جديد إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ولكن سرعان ما قرر أنها، وجميع الكنائس المسيحية الأخرى، 'مؤسسات فاسدة زوّرت المسيحية الحقيقية تماما'، فطردته الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عام 1901.

رفض تولستوي مفاهيم مثل المعجزات والثالوث المقدس وخلود الروح، والعديد من المبادئ الدينية الأخرى، واعتبرها 'تشويشا للرسالة المسيحية الحقيقية'، وألف نسخته 'المصححة' من الأناجيل. ورأى أن المسيح، أو 'الرجل يسوع' كما دعاه، لم يكن ابن الله بل كان مجرد رجل حكيم وصل إلى سرد حقيقي للحياة.

اهتم كثيرا بالثقافات الشرقية، وعلى وجه الخصوص الثقافة العربية الإسلامية، وأثنى في كتاباته على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وتجلى ذلك واضحا في كتابه 'حكم النبي محمد'، وكان يرى أن الأديان أصلها واحد، وهي تدعو إلى خير الإنسانية والقيم النبيلة، ومكافحة العنف والشر والحروب.

عاصر تولستوي في حياته الإمام الأزهري محمد عبده، مفتي الديار المصرية، وكانت بينهما مراسلات غنية بالمجاملات اللطيفة، والمصارحات العميقة حول مفاهيم 'الدين الإنساني' الذي يراه تولستوي، ونقاط التلاقي والافتراق مع دين الإسلام.

أهم مؤلفات تولستوي

الحرب والسلام:

كتبها بين عامي 1865-1869، ولعلها أشهر الروايات التي تناولت موضوع الحرب وبواعثها النفسية والاجتماعية، وتناول فيها حرب نابليون على روسيا، والتي انتهت بانتصار القيصر عام 1812، وبلْوَر من خلالها صورة المجتمع الروسي، وهو ما جعل بعض النقاد يصنفونها عملا تاريخيا لا رواية، وذلك لإحاطتها بالواقع الاجتماعي والسياسي لروسيا إبان الغزو.

وصف كتابه بنفسه فقال 'ما كتاب الحرب والسلام برواية، ولا هو بقصيدة، ولا هو بسجل وقائع تاريخية. إن الحرب والسلام هو ما أراد المؤلف وما استطاع أن يعبّر عنه في هذا الشكل الذي عبّر به عنه'.

آنا كارنينا:

وهي التي قال في مقدمتها عبارته المشهورة 'كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة'.

وتعدّ رواية 'آنا كارنينا'، والتي صدرت في 1877، واحدة من أشهر الروايات التي تندرج ضمن الأدب الواقعي، وقد صور تولستوي من خلال العائلات الثلاث التي تدور حولها أحداث الرواية، تحولات القيم داخل مؤسسة الأسرة الروسية، مستحضرا من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية، كما صوّر فيها الصراع الذي يجري في أعماق الإنسان بين العقل والعاطفة والروح والغريزة.

وإذا كان تولستوي قد اختار 'الخيانة الزوجية' موضوعًا لأحداث روايته؛ فإن غرضه تجاوز هذا الموضوع وقصة الحب التي جمعت بين بطليْ الرواية، نحو تصوير الصدام بين عالم قديم متدين وتقليدي وملتزم بالأدوار النمطية التقليدية للرجل والمرأة والتقسيم الطبقي الصارم، وعالم جديد حيث الطلاق فيه مشروع، ومعارك النساء من أجل الوصاية وضد التمييز مباحة.

البعث:

وهي من بين روائع الأعمال الروائية التي كتبها تولستوي، وصدرت عام 1899، وكانت من أواخر أعماله الروائية، وهي تتركز، في الظاهر، على قصة إغواء، لكن حجتها الدامغة ما كان لها أن تتضح بعيدا عن النهايات التي تؤول إليها، والتي تتجسد بعدد من ردود الأفعال الأخلاقية المختلفة، حيث يرسل الجلاد الغاوي الفتاة الضحية إلى غياهب المنفى السيبيري بعد إدانتها زورا وبهتانا.

ومثلما يدل عنوان الرواية، فإن تولستوي أراد أن يجسد فيها الولادة الأخلاقية الثانية أو البعث الأخلاقي لكائنين بشريين وسط الواقع الاجتماعي الذي يحيط بهما، حيث يتحول 'البعث' إلى نقد حاد للمجتمع وللنظام الحاكم في روسيا أثناء تلك الحقبة الزمنية.

وقد ظهر جليا في هذه الرواية ثورة الكاتب على نظام العقوبة عموما، والنفي والاعتقال والإعدام بشكل خاص، ورأى فيها أن الحرب هي أم الشرور، والجندية هي نقطة التحول بين المثالية الروحية، والمادية الحيوانية.

لتولستوي أيضا العديد من الكتب والرسائل والمسرحيات، من أبرزها:

  • الحاج مراد.
  • اعتراف.
  • موت إيفان إيليتش.
  • حِكم النبي محمد 'صلى الله عليه وسلم'.

وفاته

عانى في أواخر حياته كثيرا، بسبب وضعه المنزلي والتناقض بين حياته ومبادئه، وفي عام 1910 هرب متخفيا من ياسنايا بوليانا، برفقة ابنته ألكساندرا وطبيبه. وعلى الرغم من التخفي ورغبته في الخصوصية، فقد تمكنت الصحافة الدولية من الإبلاغ عن تحركاته.

وفي غضون أيام قليلة، أصيب بالتهاب رئوي وتوفي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1910، بسبب قصور في القلب، أصابه وهو في محطة سكة حديد 'أستابوفو'.

قالوا عنه

قال عنه المؤلف الروسي إسحاق بابل 'لو استطاع العالم أن يتجسد في فرد واحد يكتب فإنه سيكتب مثل تولستوي'.

وتحدثت عنه الروائية الأوكرانية مارينا ليويكا بقولها 'شعرت بالفخر للانتماء إلى نفس الثقافة، لكن وجود تولستوي كنموذج جعل الأمر أكثر صعوبة حتى أن تجرؤ على وضع القلم على الورق'.

وخاطبه الإمام محمد عبده قائلا 'لم نحظَ بمعرفة شخصك، ولكنا لم نُحرم التعارف بروحك، سطع علينا نورٌ من أفكارك، وأشرقت في أنفسنا شموسٌ من آرائك، ألَّفْنَ بين نفوس العقلاء ونفسك. هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويتم بالعمل'.

 

المصدر : مواقع الكترونية + الجزيرة

أخبار ذات صلة

المزيد من الأخبار

كل التعليقات ( 0 )

جميع الحقوق محفوظة © 2023 الحوادث
طورت بواسطة : Zahid Raju