Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

الواقعية والمجتمع الكامل

تاريخ النشر: 3/8/2021 3:25:23 PM

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

1

     الواقعية في تحليل العلوم الاجتماعية لا تعني نسخَ الأحداث اليومية المُعاشة ، ونقلَ الوقائع من حياة الأفراد المادية إلى عالَم الأفكار الذهنية والنظريات المُجرَّدة ، وإنَّما تعني تحويل السلوك الاجتماعي فرديًّا وجماعيًّا إلى منظومة معرفية رمزية تشتمل على الهُوية الوجودية والقيم الأخلاقية والطبيعة الزمكانية ( الزمانية _ المكانية )، ثُمَّ تطبيق هذه المنظومة على أرض الواقع بشكل تدريجي ، ليس بسبب ضعف المنظومة ، ولكن بسبب عدم قدرة الناس على تحمُّل التغييرات الفكرية المفاجئة والصدمات الاجتماعية العنيفة ، وهذا يدل على خطورة حرق المراحل ، والقفز مِن طَوْر إلى طَوْر بشكل عبثي وفوضوي . ولا يوجد تغيير اجتماعي بأسلوب الصعق الكهربائي ، والتنقُّلِ عبر المراحل غير الناضجة . يجب إنضاج كُل مرحلة اجتماعية قبل الانتقال إلى مرحلة أُخرى ، وهذا يستلزم أن يكون الفكر الاجتماعي ( غذاء الواقع ) ناضجًا ، حتى يستفيد جِسمُ المجتمع مِنه ، تمامًا كالطعام ( غذاء الجسد ) ، يجب أن يكون ناضجًا حتى يستفيد جسمُ الإنسان مِنه .

2

     استعجالُ الإنسان في تحقيق أهدافه وقطفِ ثمار التنمية ، يُشكِّل خطرًا حقيقيًّا على أهدافه ، وتهديدًا مُباشرًا للتنمية . والنهضة الاجتماعية تُشبه عملية الطبخ على نار هادئة ، تتطلَّب التحلِّي بالصبر والانتظار ، والحفاظ على التوازن بين العناصر والمُكوِّنات . والتخطيطُ للأحداث أهم مِن سَيْر الأحداث ، وهذا يعني أن الإنسان قادر على تجاوز نقاط ضعفه وضعف إمكانياته ، إذا امتلكَ الإرادةَ الصُّلبة ، والرؤية الثاقبة ، والقدرة على التخطيط ، والمعنويات المرتفعة ، وهذا يُفَسِّر سبب نهضة دُوَل فقيرة ، وانهيار دُوَل غنية ، كما يُفَسِّر نجاحَ بعض الأفراد الذين لا يَملِكون مواهب ، وذهابَ بعض أصحاب المواهب إلى النسيان ، لأن العِبرة لَيست في امتلاك الموهبة ، وإنما في تسويق الموهبة، والخُروج مِن الزِّحام ، وتكوين صوت شخصي مُؤثِّر بعيدًا عن ضجيج الأصوات. والمشكلةُ المنتشرة في المجتمعات أن الأفراد ينتظرون تكوينَ ثروات حتى يبدؤوا في إنشاء مشاريعهم الشخصية ، وهذا الانتظارُ هو سبب عُزلة الفرد ، وعَجْزه عن تغيير واقعه المُعاش . يجب على الأفراد أن يَصعدوا السُّلَّمَ دَرَجَةً دَرَجَةً ، وأن يقوموا بإنشاء المشاريع بما يتوفَّر لَدَيهم مِن إمكانيات وموارد ، بلا تأخير ولا انتظار ، لأن قطار الحضارة لا يتأخَّر عن موعده ، والعُمر لا ينتظر أحدًا . وعذابُ الانتظار أكثر صعوبة من عذاب الاقتحام ، وخَير وسيلة للدفاع الهجوم .

3

     التدبيرُ نِصف المعيشة ، وإدارةُ الموارد أهم من الموارد . وهذه الحقيقةُ ينبغي توظيفها في فلسفة المجتمع التي يظهر تأثيرُها في سُلوك الفرد وطُموحاته . وعلى الفرد أن يُدرِك أن النهضة لَيست كثرة الإمكانيات ، وإنما طريقة توظيف الإمكانيات لخدمة الصالح العام ، وأن المجتمع الكامل ليس الخالي من الأخطاء والعُيوب ، والمعصوم من الفشل ، والمُنَزَّه عن الهزيمة ، إن المجتمع الكامل هو الذي يعترف بأخطائه وعُيوبه ، ويقوم بتصحيحها ، ويُحاول سَد الثغرات ، بعيدًا عن المُكَابَرَة والتحايل والتبرير ، ويَجعل فَشَلَه مرحلةً من مراحل النجاح ، وذلك بالتعلُّم من أخطاء التجارب لمنع تَكرارها ، ويَعتبر هزيمته حادثًا عَرَضِيًّا ، ولحظة زمنية للتحضير للنصر القادم والنهضة الشاملة. والسَّعْيُ إلى الكمالِ كمالٌ. ومهما كانت الإمكانيات شحيحة، والثروات ضئيلة، والتحديات جسيمة، فينبغي ألا تُشكِّل عائقًا أمام مسيرة التنمية ، فالقُوَّة الحقيقية هي الرصيد في قلوب الناس ، وليس الرصيد في البنك ، فهو مُجرَّد رَقْم . والاستثمارُ الفَعَّال هو صناعة الإبداع المعرفي ، وتحويل الفرد مِن رَقْم هامشي إلى كيان إنساني وصانع للأمل المشرق، وهذا لا يتأتى إلا بتطوير أداء الفرد، ووضع الثقة فيه كَي ينهض بالمجتمع ، ويَقُوده إلى آفاق تنموية جديدة . ومَهما عانى الفردُ من قِلَّة الحِيلة ، وضِيق ذات اليد ، والانكسارات والخَيبات ، فعليه أن يتذكَّر السُّلحفاةَ ، فهي كائن ضعيف وبطيء ، ومعَ هذا لا تَندُب حَظَّها ، ولا تَلُوم القَدَرَ ، ولا تُقَارن نَفْسَها مع الحيوانات السريعة ذات القُوَّة والقُدرة . إنَّ السُّلحفاةَ تعرف إمكانياتها الضئيلة، وتتصرَّف وَفْقَها، وهي تسير في طريقها بلا كَسَل ولا مَلَل. ومُواصلةُ السَّيْر وعدم الاستسلام للظروف ، مِن أهم الإنجازات وأكبر النجاحات . ومَن أمسكَ طَرَفَ الخَيْط ، فقد نَجَحَ في نِصف الامتحان ، ومَن وَضَعَ رِجْلَه على الطريق الصحيح ، فقد اجتازَ الصَّعْبَ ، وبَقِيَ السَّهْلُ . ومَن مَشى في النَّفَق المُظلِم ولم يتوقَّف ، اقتربَ مِن رؤية الضَّوْء في آخِر النَّفَق . ومَن أدمنَ قَرْعَ باب المُستقبل ، أوشكَ أن يُفْتَح . وقد قِيل : ليس الطريقُ لِمَن سَبَق ، إنما الطريقُ لِمَن صَدَق . ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

الرقص‭ ‬مع‭ ‬اللصوص

الرقص‭ ‬مع‭ ‬اللصوص يوسف‭ ‬غيشان قلّة‭ ‬الشغل‭ ‬بتعلم‭ ‬التطريز،‭ ‬كما‭ ‬يقولون،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فقد‭ ‬علمتني‭ ‬البعبشة‭ ‬في‭ ‬الكتب،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬والتسلية‭ ‬والمتعة‭ ‬أولا‭ ‬وثانيا‭ ‬وثالثا،‭ ‬أما‭ ‬رابعا،‭ ‬فإنني‭ ‬أستغل‭ ‬هذه‭ ‬البعبشة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬ذكية‭ ‬لمشاكلنا‭ ‬الغبية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬عجزنا‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬الرجل‭ ‬المناسب‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب‭. ‬لك...

‏الحق يعلو وإن طال الزمن

قد تظهر أحيانا مفاجآت غير متوقعة. وقد ينبعث الشعاع وسط ظلام قاتم، كما حدث في شهر مايو الماضي. فقد انطلق شعاع براق مفعم بالشجاعة والإيمان وقوة التعبير والبيان. انطلق من عيني طفلة لم تبلغ العاشرة من العمر، فتراجعت أمامه الكبرياء والعنجهية. كيف كان ذلك سيتسال القارئ. تناقلت وسائل الإعلام مؤخرا وصف حدث وقع في مدرسة ابتدائية في تل أبيب في إسرائيل. فقد قام بنيامين نتنياهو وهو لا يزال رئيس للوزراء بز...

التحديات الزمنية أمام وجود الإنسان

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 الوَعْي غَير مَحصور في القِيَم الوجودية والعلاقات الاجتماعية ، لأنَّ الوَعْي مفهوم شامل لجميع مَنَاحي الحياة،وهو الطريق الرئيسي الذي يسير فيه الإنسانُ من أجل معرفة ذاته في مُجتمعه في ظل التغيرات المعرفية، ومعرفةِ مُجتمعه الواقع تحت الضغوطات الحياتية . وهذه المعرفة المُزْدَوَجَة تُمَثِّل منهجًا فكريًّا يَكشف الروابطَ السَّبَبِيَّة بين السلوك الظاهري ...

حِلّوْ عنا

حِلّوْ عنا، بقلم عدنان خليل حِلّوْ عنا... بهذه الكلمات ختم الرئيس الفلسطيني أبو مازن كلمته في الجلسة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن قدم خطة ومطالب واضحة للمجتمع الدولي وللأمين العام للأمم المتحدة، تتضمن الشروع بإدارة مباحثات سلام، وتشكيل آلية دولية لتوفير الحماية لفلسطين حسب القرارات الدولية. كما تضمن خطاب أبو مازن تهديدا مبطنا بسحب الاعتراف بإسرائيل إذا لم تنسحب لحدود ما قبل حرب1967 ، بم...

الدروس المستفادة من المغامرة في افغانستان

عبد الحميد صيام- نيوجيرسي مشهد سيريالي في مطار كابول.. الأمريكي المحتل يخرج هرولة بعد عشرين سنة من الاحتلال مخلفا معداته وعملاءه وكبرياءه. المشهد ليس جديدا، الغزاة في نهاية المطاف يهربون لأنهم غزاة. وكما تهاوت إمبراطوريات الاستعمار التقليدي وعادت وانكفأت في حدودها، تسير الولايات المتحدة على الطريق نفسه، بعد أن قدمت نموذجا مختلفا من الهيمنة والتسلط وغطرسة القوة. فقد هرب آخر جندي أمريكي من ف...

دراس قرن : وصفة النجاح لحكومة ميقاتي إذا أراد ان" ينجح"

صديقي اللبناني الغاضب وصف التشكيلة الجديدة للحكومة،بأنه لا جديد فيها،فهي حكومة استقطاب طائفي بامتياز مثل الحكومات التي سبقتها تماماً،لا بل أن الأسوأ فيها،هو تعيين جورج قرداحي،أحد المسحجين والضاربين بالكف والطبل للأسدّ كوزير للإعلام،ومعروف أن وزير الإعلام هو واجهة الدولة وصوتها الناطق،فهل هذ التعيين مقصود،بدافع التقرب والتطبيع مع النظام السوري؟ يقول صديقي إن العطار هذه المرة قد أفسد الطبخة م...

العدوُ يكره فتحَ ويمقتُها ويحقدُ عليها ويحاربُها

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي نجح الأسير المحرر زكريا الزبيدي في إظهار حقيقة الموقف الإسرائيلي من حركة فتح وأبنائها، وكشف لحركته العتيدة ولأبنائها الأحرار وللشعب الفلسطيني كله، حقيقة سياستها وطبيعة تعاملها الحاقدة عليها والكارهة لها، وذلك من خلال ما تعرض له شخصياً على أيدي جنود العدو ومحققيه، الذين لم يدخروا وسيلةً مهينة إلا واستخدموها ضده، ولا أداةً قذرةً إلا ووظفوها للتنفيس عن حقدهم وعميق كر...

لكمة كبرى لها ما بعدها

كان فيما حدث مؤخرا في فلسطين المحتلة وقع كبير لا في تلك المنطقة فحسب، ولكن أنباءه تناقلتها وسائل الإعلام عالميا. والأهم من ذلك التطور الكبير الناجم عنه في الوضع في الأراضي المحتلة بصفة عامة وفي الرأي العام العالمي تجاه ذلك الوضع. لقد كان لما فعله الشبان الفلسطينيون الستة أثر كبير على تحريك ما قد يكون قد خمد من مشاعر البعض حيال همجية الاحتلال الصهيوني وبقائه في ارض استولى عليها بقوة السلاح وا...

يحدث‭ ‬مع‭ ‬الأمريكان

يحدث‭ ‬مع‭ ‬الأمريكان يوسف‭ ‬غيشان أجمل‭ ‬التنبؤات‭ ‬التاريخية‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬يسمونها‭ ‬علم‭ ‬المستقبل‭-‬يمكن‭ ‬استنباطها‭ ‬من‭ ‬احداث‭ ‬جانبية‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬وزمان‭ ‬ما‭. ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬المطاعم‭ ‬الأمريكية‭ ‬الكبرى‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬عرضا‭ ‬فريدا‭ ‬لجلب‭ ‬الزبائن،‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬عن‭ ‬استعداده‭ ‬لتقديم‭ ‬وجبة‭ ‬مجانية‭ ‬طوال‭ ‬العمر‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ينقش‭ ...

"الإخوان المسلمون: عقيدة إسلامية أم انتهازية سياسية"

يقول المثل المتداول شعبياً: التجربة أكبر برهان،كثيرون ممن زاروا مصر معقل الإخوان الأول،وتعاملوا مع المؤسسات الرسمية أو حتى التجارية أو مجال الأعمال، يروون لك أن المنتمين للإخوان، هم نموذج سلوكي مثالي، بعيداً عن الرشوة والفساد الشائعين جداً هناك. نعم هكذا أسسهم حسن البنا، أن العقيدة تترجم وتنعكس في السلوك اليومي المشهود من الناس، مصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم"الدين المعاملة". فلما...

"الحكومة الدولية: كله تمام .."

وعلى هامش تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي في لبنان نشر بتارخ 11ايلول/2021 طلال سلمان في مدونته "على الطريق" ما نشرهفي جريدة “السفير”بتاريخ 17 شباط 2014 وبعنوان "الحكومة الدولية: كله تمام .."، وكأن الزمن يعيد نفسه، ننشر هنا النص كما ورد في المدونة: - كل حكومة في لبنان هي «حكومة دولية»، تماماً كما أن كل رئيس لهذه الجمهورية هو «رئيس دولي أو مدوّل». قد تختلف نسب الشراكة...

الزمن المفتوح وفلسفة الوعي بالتاريخ

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 فلسفةُ السلوك الإنساني هي التعبيرُ الوجودي عن حركةِ الفِعل الاجتماعي الظاهري ، والتفسيرُ المركزي للوعي الذهني المُستتر . وبما أن حركة الإنسان في تاريخه الشخصي وتاريخ المجتمع ، لا تتم بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الخارجية والخصائصِ النَّفْسِيَّة الداخلية، فإنَّ هُويةً إنسانية جديدة ستنشأ بشكل مُستمر ، وتتولَّد مِن ذاتها لاكتشاف ذاتها. وهذه الهُوية تَ...

السياسةُ الأمريكيةُ الجديدةُ في الشرقِ الأوسطِ حقيقةٌ أم سرابٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي ما من شكٍ أبداً في أن السياسة الأمريكية في الشرق الوسط قد تغيرت، ولم تعد سياستها التقليدية التي عُرفت بها هي السائدة في المنطقة، فهناك متغيراتٌ يسهل رصدها ويصعب إنكارها، وكلها تشير إلى تغيرٍ ما في ذهنية الإدارة الأمريكية تجاه أكثر من منطقة في العالم، وتجاه منطقة الشرق الأوسط بصورةٍ خاصةٍ، وتجاه القضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان الصهيوني على وجه التحديد. لكن...

تساؤلات بعد 20 سنة على أحداث 11 سبتمبر

صبحي غندور* هل كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 بدايةً لحقبةٍ زمنيةٍ جديدة في العالم، أم أنَّها كانت حلقةً في سلسلةٍ من وقائع عاشتها بلدان العالم بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة؟. وهل هو من قبيل الصدفة أن تكون المنطقة العربية، ومنطقة الخليج العربي تحديداّ، هي محطّ تفاعلات مع بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث قادت إدارة بوش الأبن حربها عل العراق بذريعة الردّ على ما جرى من إرهابٍ على أميركا أولاً، ثمّ بالح...

المزيد...