Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

إستراتيجية الأمن والاقتصاد والديمقراطية

تاريخ النشر: 6/18/2021 11:15:41 PM

 

صبحي غندور*

ثلاثة عناوين كانت المحاور الضمنية للقاءات الرئيس الأميركي بايدن مع زعماء دول "مجموعة السبع" و"الناتو" وقادة الدول الأوروبية: الأمن والاقتصاد والمسألة الديمقراطية.

طبعًا، على سطح هذه اللقاءات كان الحديث عن جائحة كورونا وقضية المناخ والتعاون الثنائي، لكن الهدف الأساس لإدارة بايدن في هذه المرحلة هو حشد أصدقاء أميركا خلف الإستراتيجية الأميركية المقرّرة منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، والتي تعتبر الصين وروسيا هما الخصمان المنافسان لأميركا في هذا القرن الجديد، بعدما استطاعت الولايات المتحدة أن تجعل من القرن العشرين قرنًا أميركيًا في مجالاتٍ مختلفة.

فترتيب العلاقات مع حلفاء أميركا الأوروبيين وأعضاء "الناتو" هو أولية مهمّة لإدارة بايدن بعدما توتّرت هذه العلاقات في فترة حكم الرئيس السابق دونالد ترامب، نظراً لأهمّية دور الأوروبيين في سعي واشنطن لتقليص وتخفيض حجم نموّ الدورين الروسي والصيني على مستوى العالم بأسره، بما فيه مع بعض الدول الأوروبية. ولذلك، دفعت إدارة بايدن باتّجاه جعل القمم الأميركية الأوروبية الأخيرة وكأنّها وقفة تضامن مشتركة بين ضفّتيْ الأطلسي ضدّ سياسات وممارسات صينية وروسية.

فعنوان "الأمن" هو الحافز الآن لتعزيز دور "الناتو" في أوروبا الشرقية المجاورة لروسيا الاتّحادية. وعنوان "الاقتصاد" هو خلف "المشروع الأخضر" وتطوير "البنى التحتية" لبايدن، إضافةً إلى ما جرى الحديث عنه في اللقاءات الأميركية الأوروبية الأخيرة من أهمّية مساعدة الدول النامية، بينما المستهدَف هو الصين وما تقوم به حكومة بكين في هذه الدول ومعها من مشاريع عمرانية وإعادة بناء البنى التحتية فيها، وبما بات يُعرف باسم "طريق الحرير الجديد".

أمّا عنوان "المسألة الديمقراطية" فهو سلاح قديم – جديد استخدمته الولايات المتّحدة في فترة الحرب الباردة مع "المعسكر الشيوعي" وتريد واشنطن إعادة استخدامه الآن في مواجهة الصين وروسيا من خلال التركيز على أنّ الاقتصاد الصيني ينمو ويتقدّم بشكلٍ سريع بسبب تسخير اليد العاملة الصينية دون احترام ومراعاة لحقوق الإنسان وشروط العمالة الصحّية من حيث الأعمار وساعات العمل وقيمة الأجور. وعلى الجانب الروسي، فإنّ "الديمقراطية" تطال الآن موسكو من خلال  ما يتمّ اتّهام الرئيس بوتين به من مسؤولية عن قتل معارضين له ومن تدخّلٍ في انتخابات دولٍ أخرى.

إنّ الإدارات الأميركية السابقة في حقبة القرن العشرين أقامت علاقاتٍ جيّدة جدًّا مع الصين إبّان "الحرب الباردة" لتعزيز الانقسام في "المعسكر الشيوعي" بين موسكو وبكين، أمّا في العقد الثاني من القرن الحالي فقد وضعت واشنطن الصين وروسيا في خانة المنافسين الأساسيين للقطب الأميركي ويجري التعامل معهما الآن بنظرة سلبية واحدة.

ثلاثون عامًا مضت على انهيار "المعسكر الشيوعي" الذي كانت روسيا تقوده لعقودٍ من الزمن، ولقد انتهى "حلف وارسو" مع نهاية "المعسكر الشيوعي"، لكن لم ينتهِ معه "حلف الناتو" الذي سقط مبرّر وجوده بسقوط الاتّحاد السوفييتي، بل على العكس، فقد تمدّد "الناتو" من أوروبا الغربية التي كانت ميدانه الأساسي إلى عدّة دول في شرق أوروبا تجاور روسيا الاتّحادية، وتحوّلت العاصمة البولندية وارسو إلى مركز مهمّ جدًّا لأنشطة "حلف الناتو" وخططه العسكرية.

وشهدت حقبة التسعينات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي سياساتٍ أميركية تتّصف بالهيمنة والتفرّد في قيادة العالم كلّه، وبالسعي لتطبيق مفهوم الإمبراطورية الواحدة المهيمنة على الكرة الأرضية بأكملها. وكانت حقبة التسعينات هي العصر الذهبي لسياسة الأحادية القطبية الأميركية في تزامنٍ مع الخلل الكبير الذي حدث في القيادة الروسية قبل تولّي الرئيس بوتين الحكم.

لكنّ الدول الغربية، أو دول العالم الرأسمالي، أشبه بجسمٍ رأسه في الولايات المتحدة ودماغه في واشنطن، وحينما يحصل أي عطب في هذا الدماغ فإنّ الجسم كله ينعطب. وقد حدث ذلك اقتصاديًّا في العام 2008 حينما اهتزّ الاقتصاد الأوروبي بسبب الأزمة المالية في الولايات المتّحدة ونتائج الحروب على العراق وأفغانستان. ثمّ عانت أوروبا من أزماتٍ سياسية واجتماعية بسبب أيضًا ما كانت عليه واشنطن من أجندة ومن انتعاش للعنصرية والشعبوية في الولايات المتّحدة خلال فترة حكم دونالد ترامب. وحدث ذلك كلّه بينما ازدادت روسيا الاتّحادية والصين قوّةً وانتشارًا في قارّات الأرض وفي فضائها.

إنّ العالم شهد هبوطًا متدرّجًا لدور الإمبراطورية الأميركية مقابل تصاعدٍ ملحوظ لدور روسيا والصين، وما حدث ويحدث من توتّر وخلافات، بين الولايات المتحدة وكلٍّ من روسيا والصين، ليس بغيوم عابرة تصفو بعدها العلاقات بين هذه القوى الكبرى. لكن أيضًا، ما نشهده من أزمات سياسية بين هذه البلدان ليس بحربٍ باردة جديدة بين أقطاب دولية. ف"الحرب الباردة" في القرن العشرين قامت على تهديدات باستخدام السلاح النووي (كما حدث في أزمة صواريخ كوبا بمطلع الستّينات) وعلى حروب ساخنة مدمّرة في دول العالم الثالث في سياق التنافس على مواقع النفوذ، وهي حالات بعيدة كلّها الآن عن واقع الأزمات الراهنة بين واشنطن وكلٍّ من موسكو وبكين. فأولويّات روسيا والصين والولايات المتّحدة الآن هي مصالحهم المباشرة، إذ رغم التباين والخلافات القائمة حاليًّا بين عواصم الأقطاب الدولية الثلاثة، فإنّ جميعها يحرص على إبقاء الصراع بين حكوماتها مضبوطًا بسقفٍ محدّد، خاصّةً في ظلّ الضغط الأوروبي العامل في هذا الاتّجاه.

ويبدو أنّ عناوين الإستراتيجية الأميركية (الأمن والاقتصاد والديمقراطية) في مواجهة الصين وروسيا هي أيضاً حاجة أميركية كعناوين أجندة داخلية لإدارة بايدن. فالولايات المتّحدة هي نفسها بحاجة الآن لتعزيز "الأمن" في الأراضي الأميركية، بعد التصاعد الخطير في حوادث القتل الجماعي والعشوائي في عدّة مدن أميركية وفوضى حمل السلاح واستخدامه. وأميركا تحتاج أيضًا إلى "اقتصاد" أفضل ممّا هي عليه الآن لكي تنجح في المنافسة مع الغزو الاقتصادي الصيني للعالم وحتّى داخل الأسواق الأميركية، وهذا ما تحدّث عنه الرئيس بايدن منذ أسابيع قليلة حينما أشار الى الفارق الكبير بين البنى التحتية الأميركية المتخلّفة وبين ما هو قائمٌ من تقدّمٍ في الصين، وعن الحاجة إلى خطّة من الكونغرس بمليارات الدولارات لإعادة إعمارها. أمّا "الديمقراطية" فهي حتمًا بحال أزمة الآن في الولايات المتحدة، بعد الذي حصل في مبنى الكونغرس في مطلع العام من اقتحام مؤيّدين للرئيس السابق ترامب لقاعات الكونغرس، ووجود أكثر من ثلث عدد الناخبين الأميركيين الذين لا يقبلون بنتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة ويردّدون ما يكرّره ترامب حتّى الآن من أنّه هو الفائز بهذه الانتخابات!.

 15-6-2021

 

*مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

الديمقراطيون« والناخبون البيض

جيمس زغبي في محاولة لفهم كيف فقد »الديمقراطيون« الناخبين البيض من الطبقة العاملة، يتبادر إلى الذهن أربع قصص. الأولى دارت وقائعها عام 1984 ،حيث ظهر كل من الرئيس رونالد ريجان الذي كان يترشح إلعادة انتخابه، ومنافسه، نائب الرئيس السابق والتر مونديل، في عشاء للمؤسسة الوطنية الأيطالية الأميركية. وكان مونديل برفقة مرشحته لمنصب نائب الرئيس، عضو الكونجرس، جيرالدين فيرارو، وهي أميركية إيط...

PALESTINE MUST LEAVE THE DOOR OPEN

Revisiting It has been widely known and acknowledged, that the Arab masses is still believes that Israel is an illegitimate country in the MENA region. Yet there is no true and genuine peace will exist until the U.S pressure Israel to make concessions, that will enable the creation of Palestinian State. Thus, Israel discriminates, ethnically cleansed, and cares little for basic human right of t...

الدمعة المليار

الدمعة المليار يوسف غيشان أما قبل فإن أول محاولة شعرية في العائلة-عائلتي طبعا-انبثقت من جدتي «تمام» في منتصف ثلاثينات القرن المنصرم، حينما مات حمار العائلة العزيز، فقد نادت على أمي (مرثا) زوجة أبي الأولى، وجلست تبكي (تمعد) على الحمار، وهي تقول: يا مرثا نوحي وانا بنوح يا حمارنا في الحوش مشبوح ثم يشرعن معا في البكاء على جثة الحمار، حتى يشعرن بأنهن قد قامتا-بكل كفاءة واقت...

هل تحافظ أمريكا على موقع الهيمنة التي تبوأته منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؟

عبد الحميد صيام تنعقد الدورة السابعة والسبعون الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل متغيرات عالمية لم تكن موجودة في الدورة السابقة. ففي الدورتين السابقتين كانت جائحة كورونا التطور الأبرز والتحدي الأخطر على المسرح العالمي، وما تركته من أثر وفواجع جعل الدورتين الخامسة والسبعين والسادسة والسبعين تعقدان عن بعد أو بحضور محدود جدا. هذه الدورة ستكون كلها حضوريا بعد تراجع الجائحة، لكن المستجدات ه...

أمم متحدة في تهميشها للقضية الفلسطينية!

صبحي غندور* تنتظر القضية الفلسطينية اجتماعات الدورة 77 للجمعية العامّة للأمم المتحدة، والتي راهنت السلطة الفلسطينية عليها في السنوات الماضية بعد تعثّر المفاوضات مع إسرائيل، بهدف تحقيق اعتراف دولي بحقّ قيام الدولة الفلسطينية وتثبيت وجودها في هذا المحفل الأممي. لكن "الأمم المتحدة" – كانت وما تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها العمومية التي تلتقي سنوياً، بينما قراراتها الفاعلة تكون في "مج...

الغرب والكيل بمكيالين في السياسة والديمقراطية

اولا لنعترف ان الغرب داخل مجتمعاتهيمارس الديمقراطية بكل تفاصيلها ويحترم حقوق الانسان بلا تمييز ويضمن الحياة الكريمة لمواطنيه ويملك قضاء نزيه فيه العدل والمساواة وتداول السلطة … اما في السياسة الخارجية فهي امتداد للسياسة الاستعمارية القديمة بتقنيات مختلفة جديدة وبمساعدة عملائهم المحليين ..فهم يمارسون الاكاذيب لتتماشى مع مصالحهم بذريعة نشر الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات وهي عبارة...

الحقوق الفلسطينية.. الواقعية والرؤية

جيمس زغبي إليكم قصة لم أذكرها من قبل: سافرت إلى تونس أواخر عام 1993 للقاء رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. كنت وقتها رئيسًا مشاركًا في مشروع"بناة من أجل السالم" الذي دشنه آل جور، نائب الرئيس الأميركي آنذاك للمساعدة في خلق فرص عمل وتعزيز النمو الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ارسلت إلى تونس للقاء الرئيس عرفات واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لشرح مهمتنا والحصول على د...

التحولات التاريخية في البنى الاجتماعية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 التحولاتُ التاريخية في البُنى الاجتماعية لا تنفصل عن التغيُّرات في السلوك الإنساني ، الذي يتداخل معَ الأحداثِ اليومية ، والظواهرِ الثقافية . وهذا التداخلُ يُؤَسِّس رُؤيةً فلسفيةً تَكشِف مصادرَ المعرفة داخل طبيعة اللغة التي تنعكس على علاقة الفرد بالجماعة ، وتَكشِف أبعادَ السُّلطة الحياتية في تاريخ المجتمع ، باعتباره وَعْيًا يتجسَّد في سياسة البناء ال...

نظام التاريخ في الوجود والثقافة

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 التاريخُ لَيس مجموعةً مِن الشظايا المتناثرة في العلاقات الاجتماعية ، وإنَّما هو نظامٌ وُجودي يَشتمل على مركزية الزمن في الذات والآخَر ، ومُمَارَسَةٌ واعيةٌ تَحتوي على فلسفة النشاط الإنساني ، ومجالٌ ثقافيٌّ مفتوح على الروابط بين تأثيرات السُّلطة وإنتاجات المعرفة وإفرازات اللغة . والنظامُ الوجودي ليس انعكاسًا للتاريخ الذي يحتاج إلى تحليل ، أوْ رَدَّةَ فِ...

رجال وفئران

رجال وفئران يوسف غيشان قرأت عن نظرية في علم السياسات الدولية، يمكن أن نسميها نظرية (كيس الخيش)، وهي موضوعة ومصممة لغايات قيادة وسيادة واستعباد واستبعاد الناس والعباد في كل زمان ومكان.
تتلخص النظرية في قصة شعبية تتخذ أشكالا متنوعة، نسختنا العربية تقول إن مهندسا زراعيا، جلس في القطار بجانب فلاح. كان الفلاح يحمل كيسا من الخيش، وهو قماش خشن يسمح بالتنفس لمن بداخله.
كان الفلاح ينام عدة دقائق ثم يصحو ...

MENA region: Growth and new Thinking Needed

By Bob Rabboh This article highlights the population explosion in the above region, as well as some of major problems. Countless studies show that after seven decades, the region still looking for economic growth model. That said, formal colonization of the MiddleEast ended seven decades ago, the region unable to find a clear model or path to growth. The facts are described and analyzed. 1.0...

لماذا السعودية ومصر ….

اصبحت السعودية ومصر لاعبين مهمين في الصراع العالمي بعد الحرب الروسية الناتوكرانية ليشكلوا رقما مهما في محور التحالفات الجديدة .. واصبحوا فاعلين وليس المفعول بهم كما في السابق …فزيارة بايدن كانت فاشلة رغم توقيعه للعديد من الاتفاقيات الاقتصادية …الا أنها جاءت اولا لتحسين صورته الداخلية بعد تدني شعبيته و التي اصبحت بالحضيض وثانيا الطلب من السعودية زيادة انتاج النفط وخاصة بعد التضخ...

في القدس "عشب على حجر.. وخوف الغزاة من الذكريات"

قبل خمسة آلاف سنة مهدها العرب اليبوسيون منطلقا للتواصل مع السماء، فهي مدينة الإله شاليم أحد آله الكنعانيين، ثم سكن فيها أو جاورها أو مر فيها "عليهم السلام جميعا " إبراهيم وايوب وداوود وسليمان وغيرهم من الأنبياء (والله اعلم في صدق الرواية.. فأنا اميل لرواية المؤرخين الذين يقولون ان مملكة النبي سليمان اقيمت في اليمن وليس فلسطين) ثم قام عيسى عليه السلام من مرقده وصعد إلى السماء من كنيسة القيامة...

الفلسطينيون الأسرى: عندما نفرض شروطنا على العدو نكون قد امتلكنا حريتنا

الفلسطينيون الأسرى: عندما نفرض شروطنا على العدو نكون قد امتلكنا حريتنا عبد الحميد صيام تمكنت أثناء زيارتي للوطن بمساعدة من بعض الأصدقاء الشجعان، أن أتحدث شخصيا مع أسيرين فلسطينيين محكومين لمدد طويلة. هذه هي المرة الأولى التي نجحت فيها بالتواصل مع أسرى داخل الزنازين ومن وراء القضبان، ولا يسألن أحد كيف تمكنت من ذلك، بل الأهم من ذلك هو الاهتمام بما قالوه لي شخصيا. وقد حاولت أن أفهم أكثر وأتعلم أ...

المزيد...