Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

الضغط الحياتي والجوهر الاجتماعي

تاريخ النشر: 5/1/2021 4:57:33 PM

الضغط الحياتي والجوهر الاجتماعي

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

     شُعورُ الإنسان بكِيانه يُجسِّد مَعناه الوجودي ، ويُمثِّل جَوْهَرَ العلاقات الاجتماعية ، وهذا الجوهر يتمُّ صَقْلُه تحت ضغط العناصر الحياتية ، ويكتسب شرعيته ووجوده المركزي في ظِل الأزمات . وكما أن الشدائد تكشف عن معادن الرِّجال ، وتُسقِط الأقنعةَ ، وتُظهِر الوُجوهَ الحقيقية ، كذلك الأزمات تَكشف عن ماهية الجوهر الاجتماعي ، وتُوضِّح دَوْرَه في دينامِيَّة التاريخ ( تحرُّك التاريخ في كُل الاتجاهات ضِمن سُلطة الأمر الواقع للوصول إلى الأهداف الروحية والغايات المادية ) .

     والتَّحَدِّي المصيري أمام الجوهر الاجتماعي يتمثَّل في حمايته من التَّشَظِّي والاندثار،لأن هذا الجوهر_ بما يمتلكه من شرعية إنسانية ومشروعية اجتماعية _ يتعرَّض لضغط هائل بفِعل تضارُب المصالح في المجتمع، واختلاف التيارات الفكرية ، وتعدُّد فلسفات التعبير عن الذات والآخَر . وكُل إنسان يَعتبر نَفْسَه سائرًا على الطريق الصحيح، وكُل جماعة تعتقد أنها تمتلك الحَقَّ المُطْلَقَ والحقيقةَ الشاملة. وإذا اعتقدَ الإنسانُ أنَّه المالك الحصري للقِيَم المُطْلَقَة ، فَسَوْفَ يَرى رَأيَه صوابًا لا يَحتمل الخطأ ، وهذا سيدفعه إلى الصِّدام مع الآخرين واعتبارهم مُنحرفين ، والاصطدامِ بالمجتمع ، واعتباره بؤرة فساد .

     وهذه النظرةُ الحادَّة الأُحادية تتعارض _ جُملةً وتفصيلًا _ معَ منهجية الحوار الهادئ والنِّقاش المُتَّزن ، لأن الإنسان المُتَقَوْقِع عَلى نَفْسِه، والغارق في أفكاره الشخصية ، والخائف من أفكار الآخرين، يلجأ إلى العُزلة واعتزال الناس ، وصناعة عَالَمه الخاص القائم على المثالية الوهمية والنقاء المُتَخَيَّل ، والرافض لحياة الآخرين وأفكارهم وعوالمهم ، خَوْفًا مِنَ التَّلَوُّث والتأثُّر والانحراف. وهذا هو الأساس الفكري للتطرف قَوْلًا وفِعْلًا. فالعَالَمُ واسع ، وزوايا الرؤية مُتعدِّدة، وقد يكون للحقيقة أكثر مِن وَجْه ، وقد يكون هناك أكثر مِن طريق يُوصَل إلى الحق ومعنى الأشياء وحقيقة العلاقات الإنسانية .

     وإذا انكمشَ الإنسانُ على نَفْسِه انهارَتْ إنسانيته ، وسَقَطَتْ شرعيةُ وجوده ، لأن الوجود الجُزئي لا يتحقَّق إلا بالوجود الكُلِّي، والإنسانُ لا يَستطيع صناعةَ شرعيةٍ خاصَّة به بعيدًا عن طبيعته النَّفْسية ، ومُحيطه العائلي، وبيئته الاجتماعية، والعَالَم الذي ينتمي إلَيه . والإنسانُ ليس كِيانًا مُستقلًّا قائمًا بذاته بشكل كامل، لأنَّه ابن مُجتمعه، ونَتَاج مؤثرات دينية وسياسية وثقافية واقتصادية . والإنسانُ لا يكون حُرًّا إلا إذا أوجدَ نَفْسَه بِنَفْسه ، وبِما أن هذا الأمر مُحَال، ولا يُمكن تطبيقه على أرض الواقع ، فهذا يعني عدم وجود حُرِّية مُطْلَقَة ، وعدم وجود حرية بلا مسؤولية ، ولا يستطيع الإنسانُ فِعْلَ ما يَحْلُو له ، لأنه خاضع لمنظومة الحقوق والواجبات . والحُرِّيةُ المُطْلَقَة هي فَوضى مُطْلَقَة ، وانهيار شامل على جميع الأصعدة .

     ولن يتحرَّر الإنسانُ من أوهامه ومُسلَّماته الافتراضية إلا إذا بحث عن الحق مُجَرَّدًا مِن الهوى والمصلحة، وتعلَّقَ بالأفكار ، ولَم يُقَدِّس الأشخاصَ، لأن الفِكرة القائمة على الدليل، والنابعة من قواعد المنهج العِلْمي، هي فِكرة صحيحة ومُعْتَمَدَة، لكنَّ صاحبها لَيس مُقَدَّسًا ولا مَعصومًا. والحَقُّ ثابتٌ لا يَسقط، لكنَّ صاحبَ الحق قد يَسقط. وهذا هو الفرق بين المبادئ وأصحابها . والخلطُ بينهما هو الذي يُسبِّب البلبلةَ في المجتمع ، ويَزرع الشُّبهاتِ في القلوب ، ويَنشر الشُّكُوكَ في النُّفوس . وعلى الإنسان أن يأخذ الحِكمة مِن أيِّ وعاءٍ خَرَجَتْ ، فالأشخاصُ زائلون ، لكنَّ الحِكمة باقية .

     والعلاقةُ بين الضغط الحياتي والجوهر الاجتماعي مِثل العلاقة بين المِطرقة والحديد . فالمِطرقة قادرة على تشكيل الحديد ما دامَ ساخنًا ، ولكنه إذا صارَ باردًا فَمِن الصعب أن تُؤَثِّر فيه المِطرقة . والجوهرُ الاجتماعيُّ يجب أن يكون صُلبًا وثابتًا وغير قابل للتَّغيير تحت تأثير الضغط الحياتي ، لأن الجوهر الصُّلْب هو المبادئ والقِيَم ، وهذه ثابتة إلى الأبد ، ولا تتغيَّر باختلاف الزمان والمكان وطبيعة الناس ، لكنَّ المُتغيِّر هو الأفكار والوسائل والآلِيَّات . أمَّا إذا كان الجوهر مائعًا ولَيِّنًا ومُتغيِّرًا بفِعل الضغط الحياتي ، وقابلًا لإعادة التَّشكيل تحت تأثير قَسوة النظام الاستهلاكي المادي، فعندئذ سينهار المجتمعُ، ويَفقد هُويته المُميَّزة ، وكِيانَه الوجودي، وسُلطته الاعتبارية، ويَخسر صَوْتَه الخاص، ويُصبح صدى للمجتمعات الأخرى ، ونُسخة مُقلَّدة مِنها، بعيدًا عن الوجود الأصيل ، وأصالةِ الوجود . ولا يُوجد إنسان قوي بقلب مريض ، ولا توجد شجرة باسقة بجَذر ضعيف . ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

إحنا في أيش وانته في أيش

إحنا في أيش وانته في أيش يوسف غيشان كلما ارتفعت اسعار النفط كلما رفع التجار أثمان سلعهم بحجة ارتفاع أسعار النفط التي تؤدي إلى ارتفاع كل شيء – كما يقولون-المواد الأولية والمدخلات والمواصلات وخلافه. وحينما تنخفض أسعار النفط لا تنخفض أسعار أي سلعة – ولو عود الكبريت-مهما كان الانخفاض كبيرا، بحجة أن أسعار النفط ثانوية بالنسبة لتحديد سعر السلعة. لكن، وما أن يعود سعر النفط ويرتف...

دعه يفكّر.. دعه يقول.. دعه يمرّ.. دعه يعمل!

صبحي غندور* في نهاية حقبة التسعينات، اشتهرت أغنية "الحلم العربي" لما تضمّنته من معانٍ تؤكّد على الأمل في مستقبل عربي أفضل، مستقبل يستند إلى الهُوية العربية المشتركة ويقوم على التضامن والتكامل بين الشعوب والأوطان العربية. لكن ما حدث في المنطقة العربية منذ الغزو الأميركي للعراق، وما بعده من حروب إسرائيلية على لبنان وفلسطين، ثمّ من تقسيم للسودان وما تلاه من فوضى تداعيات الانتفاضات الشعبية والت...

الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة

عبد الحميد صيام انتهت أعمال المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة، بعد الاستماع إلى نحو 191 خطابا. من بين المتحدثين 99 رئيس دولة (منهم ملوك وأمراء) وثلاثة نواب رئيس، و51 رئيس حكومة بينما تمثلت 34 دولة على مستوى وزير. وبلغ عدد النساء اللواتي خاطبن الجمعية العامة 18 امرأة فقط أي بنسبة 9% تقريبا، وهذا يظهر أن العالم بمجمله ما زال ذكوري التوجه. دولتان فقط لم تخاطبا...

عودوا إلى دياركم واتركوها للكافرين

عادل نعمان بدلاً من ترويع الناس فى بلادهم، وإجبارهم على شريعتك التى لا تروقهم ولا تناسبهم، وعوضاً عن هذه العزلة المجتمعية والمخاصمة الفكرية التى تعيشها وتربى أولادك عليها وتدعو لها، عُد يا سيدى إلى بلاد الخلافة الإسلامية واترك بلاد الشرك للمشركين وبلاد الكفر للكافرين، فالاختلاط فى مدارس هذه الدول المشركة بين الأولاد والبنات محرم شرعاً على أولادك ونسائك، فهو من أسباب الفتنة وثوران الشهوات، ومن ...

كل الملفات عالقة (التهدئة، تبادل الأسرى، الإعمار)

هاني المصري على الرغم من مرور خمسة أشهر على معركة سيف القدس وهبة القدس والداخل ونصرة الفلسطينيين وأنصار القضية لهم في كل مكان، لا تزال مختلف الملفات عالقة (تثبيت التهدئة، إعادة الإعمار ، تبادل الأسرى)، ولم يحدث اختراق أو حتى تقدم جوهري بها، وكل ما يجري من خطوات ولقاءات ومفاوضات سقفها منخفض، وتدور حول عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العاشر من أيار الماضي، وكأنها كانت جيدة وقابلة للاستمرار، أي ...

مخاطر تعارض الهُويّات في الحياة العربية

صبحي غندور* لا أعلم لِمَ هذا التناقض المفتعل أحيانًا بين العروبة وبين البعد الديني الحضاري في الحياة العربية، فتواردهما معًا هو واقع حال هذه الأمّة، وهو حالٌ مميِّز للأرض العربية التي منها خرجت الرسالات السماوية كلّها والرسل جميعهم، وعليها كلّ المقدّسات الدينية، وهي أيضًا (أي العروبة) الوعاء الثقافي للحضارة الإسلامية ولغة القرآن الكريم. إنّ الطروحات الإسلامية والقومية كانت موجودة منذ مطلع الق...

العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني رهن بانتهاء الترّدد الأميركي

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري دشّن الرئيس الأميركي جو بايدن ولايته الجديدة بإعلانه عن استعداد إدارته للاتفاق النووي ورفعه إلى أولوية أجندته، بعد قرار سلفه الرئيس ترامب انسحابه منه في العام 2018، وما لبث أن أضحى تأجيل الخطوات الملموسة هو عنوان المرحلة، تخللته تصريحات متبادلة بأن الوقت المتاح للاتفاق شارف على نهايته. أمام هذه اللوحة المختصرة في لعبة العض على الأصابع، تشكّل...

تصويب سياسات «ما بعد سبتمبر»

د. جيمس زغبي في أميركا ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حرصت إدارة بوش والسياسيون كل الحرص على إظهار قدرتهم على حماية البلاد. ونتيجة لهذا، أجازوا عدداً من السياسات والبرامج التي كان من المفترض أن تجعلنا أكثر أمناً، وأيضاً أنشأوا وزارة الأمن الداخلي، وهي هيئة بمستوى وزاري تجمع عدداً من الوكالات كانت سابقاً ضمن وزارات الخارجية والعدل والخزانة والتجارة. لكن مثل هذا الجزع في الرد أثناء أزمة كان على ...

القوةُ الوطنيةُ عمادُ البلادِ وفخرُ العبادِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي أعزُ ما تملكه الأممُ وتحوزُ عليه الدولُ، وكذا الشعوبُ والقبائلُ، كرامتُها وعزتُها، وسؤددُها وشرفُها، وأنفتُها وكبرياؤها، وكفافُها واستغناؤها، وقوتُها وسلاحُها، وإرادتُها واستقلالهُا، وحريتُها وسيادتها، فإن ملكت ذلك بإرادتها وعزم أبنائها، وبصيرة أهلها وحكمة حكامها، وإخلاص قيادتها وولاء رعيتها، تعيش كريمةً عزيزةً، مصانةً مهابةَ الجانب، مُقدرةً لا يعتدى عليها، ومُحترمةً...

تفسير التاريخ والمعنى الوجودي للحياة

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 تفسيرُ التاريخ يُشكِّل تاريخًا جديدًا للمَعنى الوجودي، وحياةً مُوازية لحياة الإنسان . وبما أن عملية التفسير تشتمل على الأسئلة المصيرية والأجوبة المنطقية ، فإنَّ التاريخ سَيَؤُول إلى تواريخ مُتعدِّدة ومُتكاثرة . إذْ إنَّ كُلَّ تفسير للتاريخ ولادةٌ جديدة له، وكُل ولادةٍ ظاهرةٌ معرفية تمتاز بالاستمرارية في سُلطة الأفكار، وتتمتَّع بالدَّيمومة في الظواهر...

الرقص‭ ‬مع‭ ‬اللصوص

الرقص‭ ‬مع‭ ‬اللصوص يوسف‭ ‬غيشان قلّة‭ ‬الشغل‭ ‬بتعلم‭ ‬التطريز،‭ ‬كما‭ ‬يقولون،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فقد‭ ‬علمتني‭ ‬البعبشة‭ ‬في‭ ‬الكتب،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬والتسلية‭ ‬والمتعة‭ ‬أولا‭ ‬وثانيا‭ ‬وثالثا،‭ ‬أما‭ ‬رابعا،‭ ‬فإنني‭ ‬أستغل‭ ‬هذه‭ ‬البعبشة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬ذكية‭ ‬لمشاكلنا‭ ‬الغبية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬عجزنا‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬الرجل‭ ‬المناسب‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب‭. ‬لك...

‏الحق يعلو وإن طال الزمن

قد تظهر أحيانا مفاجآت غير متوقعة. وقد ينبعث الشعاع وسط ظلام قاتم، كما حدث في شهر مايو الماضي. فقد انطلق شعاع براق مفعم بالشجاعة والإيمان وقوة التعبير والبيان. انطلق من عيني طفلة لم تبلغ العاشرة من العمر، فتراجعت أمامه الكبرياء والعنجهية. كيف كان ذلك سيتسال القارئ. تناقلت وسائل الإعلام مؤخرا وصف حدث وقع في مدرسة ابتدائية في تل أبيب في إسرائيل. فقد قام بنيامين نتنياهو وهو لا يزال رئيس للوزراء بز...

التحديات الزمنية أمام وجود الإنسان

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 الوَعْي غَير مَحصور في القِيَم الوجودية والعلاقات الاجتماعية ، لأنَّ الوَعْي مفهوم شامل لجميع مَنَاحي الحياة،وهو الطريق الرئيسي الذي يسير فيه الإنسانُ من أجل معرفة ذاته في مُجتمعه في ظل التغيرات المعرفية، ومعرفةِ مُجتمعه الواقع تحت الضغوطات الحياتية . وهذه المعرفة المُزْدَوَجَة تُمَثِّل منهجًا فكريًّا يَكشف الروابطَ السَّبَبِيَّة بين السلوك الظاهري ...

حِلّوْ عنا

حِلّوْ عنا، بقلم عدنان خليل حِلّوْ عنا... بهذه الكلمات ختم الرئيس الفلسطيني أبو مازن كلمته في الجلسة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن قدم خطة ومطالب واضحة للمجتمع الدولي وللأمين العام للأمم المتحدة، تتضمن الشروع بإدارة مباحثات سلام، وتشكيل آلية دولية لتوفير الحماية لفلسطين حسب القرارات الدولية. كما تضمن خطاب أبو مازن تهديدا مبطنا بسحب الاعتراف بإسرائيل إذا لم تنسحب لحدود ما قبل حرب1967 ، بم...

المزيد...