Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

الكينونة الإنسانية وسلطة المجتمع والرموز اللغوية

تاريخ النشر: 6/17/2022 8:51:04 PM

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

1

     المعنى الحقيقي للكَينونة الإنسانية يتجلَّى في الرموز اللغوية التي تنعكس على الأنساق الاجتماعية ، ويتحدَّد في الإشارات الفكرية التي تمتد في الوَعْي والإدراك وظواهر التاريخ . وإذا كانت ظواهرُ التاريخِ معاييرَ قَصْدِيَّةً قائمةً على سياسة الفِعل الاجتماعي ، فإنَّ الكَينونةَ الإنسانيةَ منظومةٌ معرفيةٌ قائمةٌ على إفرازات الهُوِيَّة الوجودية . والمعاييرُ القصدية والمنظومةُ المعرفية تُشَكِّلان معًا طبيعةَ سُلطةِ المجتمع وتحوُّلاتها في الأنظمةِ الثقافية ، والعلاقاتِ الاجتماعية ، والمصالحِ الشخصية ، والمنافعِ العَامَّة . وكما أنَّ سُلطة المُجتمع ترتبط باللغة معنًى ومبنًى ، كذلك سُلطة اللغة ترتبط بالمجتمع نظامًا ومنظومةً . ووفق هذه العلاقة التبادلية تتحدَّد التأثيراتُ الاجتماعية في اللغة ، وتتشكَّل التفاعلاتُ اللغوية في المجتمع . والكَينونةُ الإنسانيةُ لا تُولَد في الفراغ ، ولا تتكوَّن مِن عناصر اجتماعية مُتنافرة ، وإنَّما تُولَد في البُنية المعرفية العابرة لحدود الزمان والمكان ، وتتكوَّن مِن مجموعة الروابط العقلانية بين الكِيَاناتِ الاجتماعيةِ المُتجانسةِ في الأنظمة الثقافية ، والفاعلةِ في الأحداث اليومية ، والمُتفاعلةِ مَعَ النسيج المُعَقَّد مِن الأدواتِ المعرفية وآلِيَّاتِ تأويلها وتوظيفها . وهذا النسيجُ المُعَقَّد يتغيَّر بشكل دائم اعتمادًا على العوامل الاجتماعية التي تَستنبط القوانينَ الوجوديةَ التي تَحْكُم علاقةَ الفرد بالجماعة ، وعلاقةَ الجماعة بالطبيعة ، وتتحكَّم بالروابط المنطقية التي تُعزِّز حيويةَ الأنساق الوجودية ، وتُطوِّر الإحساسَ بالمصير المشترك ، الذي يَدفع الأفرادَ إلى تشكيلِ شخصية المُجتمع ، وتَكوينِ هُويته ، وبناءِ كِيَانه ، وترسيخِ سُلطته . وهذه السُّلطة غَير مُستمدة مِن سياسةِ الأمر الواقع ، والنتائجِ المُعَدَّة سَلَفًا ، وإنَّما مُستمدةٌ مِن العقلِ الجَمْعي باعتباره مشروعًا للخَلاص ، وناتجةٌ عَن الثقافة الشاملة باعتبارها مشروعيةً لتجذيرِ التجانس في البُنى الوظيفية الاجتماعية ، ومنعِ التعارض بين هُوية المجتمع المعرفية وماهية الفرد الأخلاقية .

2

     المسارُ الواصلُ بين الكَينونة الإنسانية وسُلطة المجتمع له امتدادات في ظواهر التاريخ، التي يُعاد تشكيلها باستمرار ، ويتم توظيفها في الأنساق الفكرية التي تَكشف مراحلَ التَّطوُّر الثقافي، ومصادرَ المعرفة ، والتسلسلَ الهَرَمي الاجتماعي . والتاريخُ لَيس كُتلةً جامدةً ، أوْ مُعطى نهائيًّا ، بَلْ هو تُراث فِكري ونَفْسِي يتولَّد مِن الأسئلة المصيرية ، ويتكاثر في الثقافات الإنسانية ، ويتماهى معَ آلِيَّات التأويل المُختلفة . وكُلُّ عُنصر اجتماعي له تاريخُه الخاص ، وكُلُّ بُنية معرفية زمكانية ( زمنية _ مكانية ) لها تاريخُها الخاص ، وهذا يعني أنَّ التاريخ عبارة عن تواريخ مُتعدِّدة ، والزمان والمكان عبارة عن أحلام فردية مُتَشَظِّيَة ، وطُموحات جماعية مُبعثرة . والنظامُ العقلاني في بُنية التاريخ المركزية يقوم على ثلاثة أركان : إلغاء الفَوضى الفكرية ، واستئصال المصالح الشخصية الضَّيقة ، واجتثاث الاضطرابات النَّفْسِيَّة . فالفَوضى الفكرية تَجعل التاريخَ فلسفةً جَبْرِيَّةً لا رابط بين عناصرها ، والمصالحُ الشخصية الضَّيقة تَجعل التاريخَ كِيَانات عبثية لا أسباب لقيامها ، والاضطراباتُ النَّفْسِيَّة تَجعل التاريخَ متاهةً مِن المرايا المُتعاكسة التي تُظْهِر صُوَرَ الأفراد والجماعات بعيدًا عن الأصل . ولا يَخفى أنَّ صُورة الإنسان في المِرْآة لَيْسَتْ هي حقيقةَ الإنسان .

3

     الرموزُ اللغويةُ هي القُوَّة الدافعة للتَّطوُّر الثقافي الذي يُؤَثِّر في أساليب الحياة ، والمُحتوى المعلوماتي ، وتَنَوُّعِ الهُوِيَّات الوجودية، وأنماطِ الحياة الواقعية.ومعَ هذا، فالرموز اللغوية لا تقوم بذاتها، ولا تستقل بحقيقتها، وإنَّما تقوم بالفِعل الاجتماعي ، وتستمد حقيقتها مِنه ، وهذا يُساهم في تحرير الواقع المُعَاش مِن حسابات الهَيْمَنة والمصلحة. وبالتالي، تنبثق سياسةٌ جديدة تتعلَّق باللغة في تَجَلِّياتها الاجتماعية ، وتأثيراتها الواقعية ، وانعكاساتها التاريخية . ودَلالةُ السياسةِ اللغويةِ _ منطوقًا ومفهومًا _ تَكمُن في العلاقة بين الفِعل الاجتماعي المحكوم والإنسان الحاكم على ماهيَّة هذا الفِعل . وكما أنَّه لا تُوجَد سياسة لُغوية بلا دَلالة ، كذلك لا تُوجَد سُلطة اجتماعية بلا فِعل . وثُبُوتُ الفِكر العقلاني في المجتمع يَعني ثُبوتَ لوازمه ، والدَّليلُ لا يَنفصل عَن الدَّلالة ، والطريقُ لا يَفترق عن الطريقة . وهذا يعني أنَّ اللغة مُتداخلة مع طبيعة الفِعل الاجتماعي الواعي، ومُندمجة معَ السلوك الإنساني القَصْدِي ، وأنَّ اللغة هي التجسيد الشرعي للكَينونة الإنسانية في ظواهر التاريخ والأنظمة الثقافية . ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

مقبرة الأرقام واحتجاز الجثامين وسرقة أعضاء الشهداء

بقلم عبد الحميد صيام قضية أسرى فلسطين تشكل عاملا مشتركا وموحدا لأطياف الشعب الفلسطيني كافة، فصائل ومنظمات ومجتمعا مدنيا ومثقفين وناشطين في الوطن التاريخي وبلاد اللجوء والشتات. كما أن هناك تعاطفا عربيا ودوليا مع قضية الأسرى والمعتقلين، لأنها محكومة باتفاقيات دولية ناظمة لطريقة التعامل معهم مجسدة في اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949. قد يختلف الشعب الفلسطيني على كثير من الأشياء إلا مس...

QATAR: U.S PARTNER of CHOICE IN THE PERSIAN GULF

By Professor Bob Rabboh* Today, the U.S -Qatari relationships has never been stronger. Frequent visits to Doha in recent months by U. S officials including Senators and U.S Representatives. Significantly, Qatar officially becomes U.S partner in the Gulf, and a major non-NATO all alleys. A move that regards the partnership between Doha and Washington, a status that paves the way for greate...

الجميد الطائر

الجميد الطائر يوسف غيشان رغم الطفر وقلة الزفر غير إنّا – نحن الأرادنة- نفخر بابتكارنا لمقياس ومعيار ومكيال جديد في عالم المساحات، فما أن يرى الأردني ساحة أو برندة أو روف، حتى يقيسها بعينيه مثل جهاز (الثيديولايت) الخاص بمسّاحي الأراضي، ويقول- خوف الله .... خوف الله أنها بتسع عشر سدور مناسف ، وهكذا صار المنسف وحدة قياس معترف ومعمول بها في وطني الصغير، من العقبة حتى الرمثا، مرورا بالأرياف...

شباب فلسطين جاء دورهم

تناقلت وسائل الإعلام مؤخرا نجاح إسرائيل في صناعة سلاح قوي جديد يطلق أشعة ليزر التي تعترض أي شيء في الجو سواء كان طائرة او صاروخا. والتوصل إلى صنع هذا السلاح الجديد ليس حدثا غريبا بالنسبة لإسرائيل، إذ أن لديها، من صنعها أو مما تأخذه من الولايات المتحدة وغيرها، كثيرا من أحدث الأسلحة واقواها، ويكفي أن لديها السلاح النووي الذي نجحت في صنعه رغم اعتراض البعض على ذلك. ولا شك في أن إسرائيل تمتلك من ال...

الثقافة في تجلياتها الزمنية والمكانية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 التجانسُ في الظواهر الثقافية يُمثِّل مِعيارًا وُجوديًّا في المُجتمع، ويُعْتَبَر أساسًا فلسفيًّا للسُّلوك الاجتماعي ، ويُعَدُّ قِيمةً أخلاقيةً في البناء الحضاري . وهذا التجانسُ لا يَهدف إلى صَهْر العناصر الثقافية في بَوتقة واحدة وقالبٍ جاهز ، ولا يَرْمي إلى تحقيقِ التماثل بين الثقافة والمجتمع ، وَفَرْضِ التطابق بين المجتمع والحضارة ، وإنَّما يَهدف إل...

الحروب معظمها مصالح ولا علاقة لها بنشر الديمقراطية

عوني عطا الله حدادين امريكا تخلصت من صدام عندما حاول ان يبيع النفط بعملات غير الدولار.. وهددت دول اخرى حاولت الخروج عن الخط الذي وضعته لها، وتحاول اليوم التخلص من بوتن حتى لا يخرج عن الخط الامريكي لضرب الدولار ومصالحها وعلى ان تبقى القطب الاوحد في العالم ولا يفكر في استعادة دور روسيا البديل للاتحاد السوفياتي كدولة عظمي … امريكا بعد الحرب العالمية الثانية خرجت منتصرة بسبب انها لم تشا...

تسونامي العملات المشفرة (البيتكوين) هل سيصيب نظامها بمقتل؟؟

عدنان خليل في سلسلة الانعكاسات على الاستثمار، نتيجة قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة، حلت مصيبة الاستثمار في الأسهم وخاصة على المستثمرين بأسهم التكنولوجيا. هذا العام هوت الأسعار وخسرت أكبر خمس شركات تكنولوجيا نحو 2.6 تريليون دولار وهو ما يوازي 26 في المئة قيمتها السوقية ولحقتها أسهم داو جونز وخسرت حوالي 22 %. وإذا كانت مصيبة الاستثمار في الأسهم قابلة للمعالجة والتعديل وال...

الإحباطُ لا يُصلح الأوطانَ والمجتمعات؟!

صبحي غندور* هناك مزيجٌ من الأسباب تؤدّي الآن إلى السلبيّة وإلى مشاعر الإحباط واليأس في العديد من الدول العربية. بعض هذه الأسباب مرتبط بعوامل خارجية وبعضها الآخر هو محصّلة تراكمات داخلية نتيجة تعثّر محاولات الإصلاح والتغيير السليم أو انعدام الثقة بجماعاتٍ وأحزاب وقيادات. وقد أصبحت هناك علاقة جدلية بين سوء الأوضاع في الداخل وبين تغلل القوى الإقليمية والدولية في شؤون هذه البلدان، كما هي أيضًا ال...

موت بحكم العادة

موت بحكم العادة يوسف غيشان في فصل الشتاء تتكاثر أعداد ضحايا صوبات الكاز (والغاز أحيانا)، دون ان ينتبه الناس إلى سطوة التعود التي تؤدي إلى هذه الكوارث، ولن يحلها تنزيل كاز سوبر إلى الأسواق، وربما يزيد من أعدادها نظرا إلى أن هذا الكاز برائحة، يعني ذلك أنه يتم التعود عليها بشكل أسرع حينما تدخل إلى البيت، وتصدمك رائحة الكاز من الصوبة، يؤكد لك الذين بداخل الغرفة من فترة، بأنك تبالغ وتتوهم بأن هناك ر...

الكينونة الإنسانية وسلطة المجتمع والرموز اللغوية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 المعنى الحقيقي للكَينونة الإنسانية يتجلَّى في الرموز اللغوية التي تنعكس على الأنساق الاجتماعية ، ويتحدَّد في الإشارات الفكرية التي تمتد في الوَعْي والإدراك وظواهر التاريخ . وإذا كانت ظواهرُ التاريخِ معاييرَ قَصْدِيَّةً قائمةً على سياسة الفِعل الاجتماعي ، فإنَّ الكَينونةَ الإنسانيةَ منظومةٌ معرفيةٌ قائمةٌ على إفرازات الهُوِيَّة الوجودية . والمعاييرُ ...

Palestinians Can Learn from Irish Successes نموذج التحرر الأيرلندي

By Dr. James J. Zogby © President of Arab American Institute النسخة العربية من المقال تتبع في الاسفل Last week, Mary Lou McDonald, the President of Sinn Fein, the Irish republican/socialist party, and leader of the opposition in the Irish Parliament, addressed a European Union conference. When asked how she would direct Irish foreign policy, her remarks were both compelling and ins...

ديوجين وبرميله المثقوب

ديوجين وبرميله المثقوب يوسف غيشان قبل قرون حينما كنّا تلاميذ مدارس، كانوا يكرّرون لنا في أكثر من صف ومنهج قصّة المرحوم ديوجين والإسكندر، ملخّص القصّة أنّ الإسكندر المقدونيّ عندما احتلّ اليونان سمع عن شهرة الفيلسوف ديوجين، فركب فرسه وذهب إلى لقائه، فوجده يعيش في برميل أكله شبه تالف، فوقف أمامه، وحاوره قليلاً وأعجب به، ثمّ سأله ماذا يريد من الإسكندر وسيحقّقه له فوراً فقال ديوجين- لا أريد سوى أن تب...

التمييز المطلوب.. والفصل المرفوض في قضايا عربية

صبحي غندور* هناك قطاعٌ كبيرٌ من العرب لا يجد أهمّية الآن للأمور الفكريّة أو للمؤسّسات المهتمّة بالفكر والثقافة، وهذه الفئة من العرب تجد أنّ الأولويّة الآن هي للأمور الحركيّة والعمليّة ولمتابعة الأخبار السريعة حيث لا يجوز إضاعة الوقت والجهد في قضايا التفكير والتنظير، بينما في المقابل نجد العديد من المفكّرين العرب الذين يكتفون بطرح الفكر ولا يساهمون في بناء المؤسّسات التي تقدر على تحويل الأفكار ...

المجتمع والثقافة والهوية الإبداعية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 التراكيبُ الاجتماعية في الظواهر الثقافية تُمثِّل أنظمةً جَوهريةً إنسانيةً ، تستطيع تفسيرَ الطبيعة الرمزية لمصادر المعرفة ، وتَقْدِر على تحليل الإدراك والوَعْي ، ورَبْطهما بالتجارب الحياتية التي تقوم على التَّأمُّل في ماهيَّةِ الأشياء، وطبيعةِ النَّفْس البشرية، مِن أجل اكتشافِ المعاني المجهولة في الأشياء ، والتنقيبِ عن الأحلام المدفونة في الذات. وإذا...

المزيد...