Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

"ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور: قراءة في ما وراء السطور"

تاريخ النشر: 9/7/2021 10:30:09 AM

 

ربما أسهب النّقاد في تحليل وتصوير هذه الرواية،من زوايا رؤية مختلفة،وكثير مما قالوا جدير بالاعتبار،ويلقي كثيراً من الضوء على زواياها وخباياها.

ومع ذلك يبقى الكثير مما لم يلتفتوا إليه أو ربما لم يشُدُ انتباههم أو عُمّي عليهم.

الأندلس،غرناطة،أبو عبد الله الصغير،ثلاثية خاضت في بحرها الأقلام طويلاً،وأهدر في شأنها حبرٌ كثير،وما يجمع هذه الأعمال كلها هو حقائق التاريخ،فالرواية التاريخية لا تستطيع تجاوز حقائق التاريخ ولا بد لها من التوقف عندها،ولكن ما فعلته رضوى عاشور فيه كثير من الخصوصية والتميز،ذلك أنها بدل التوقف عند حقائق التاريخ الكبيرة،خاضت في التفاصيل،وضفرتها غرزة غرزة كمنمنمة أندلسية،فقد أدخلتتا  إلى حومة التاريخ،من خلال معاش الناس في ذلك الزمن وشؤونهم اليومية،وصولاً للهموم الكبرى التي أثقلت صدورهم وكسرت ظهورهم وألجأتهم إلى أضيق الزوايا،وذلك في معالجة درامية تحاول أن تبسط هذا الواقع التاريخي بكل جزئياته وتبعثه حيّاً متمثلاً أمامنا في شخوصه وحواراته ،وصموده ومقاومته ،ومن ثم انفراط عقده وانجرافه كحصى جرفها سيل التاريخ بعنفوانه،أو سدّ انهار وتبعثرت حجارته أمام انحداره الهائل.

فهل سارت عاشور على خطى جورجي الزيدان ،وهل صاغت سرديتها بنفس أدواته،ولماذا اختارت هذا النهج في سرد الرواية التاريخية أصلاً؟

بالرغم من ان جورج الزيدان دخل من المدخل ذاته الذي اختارته رضوى،وهو حياة الشخوص اليومية ووقائع معيشتهم،إلا أنه رسمها بخطوط عريضة كبرى بينما رسمتها عاشور بخطوط دقيقة أقرب إلى النسج والغزل منها إلى اللوحة التاريخية المجملة،فهو أجمل وهي فصّلت وطرّزت بدل أن تُخطّط وتُنمّط.

ولكن يبقى السؤال لماذا؟

لعل ما تشي به  طريقة رضوى عاشور،هو أنها كتبت رواياتها إجابة على هذا السؤال الكبير: لماذا اتخذّ التاريخ هذا المنحى،أو بالصيغة الأكثر مباشرة : لماذا سقطت الأندلس،وهو سؤال القلق الحضاري الذي أرّقتا نحن جميعاً،أولي هذه الحضارة وأصحابها!

يُحسب لرضوى أنها تجنبت الوقوع في فخ الرواية الملحمية،فلم تحك عن بطولات وتضحيات،بقدر ما طرحت سؤال التاريخ المبين من خلال ما أعلنه بطلها الرئيس أبو جعفر الوراق في مشهد انتهاك حي لرمز القداسة الخالد: المصحف،الذي تطايرت أوراقه في جو دكانه وانتهكت قداسته وديست أوراقه بالأقدام،فجأر بسؤاله مذهولاً: لماذا يسمح الله بهذا؟ لماذا يتركهم يفعلون ما يريدون ولا يحول بينهم وبين غاياتهم الشيطانية؟

هذا السؤال الذي جاء في طيات السرد هو ذاته السؤال الذي وقف وراء كتابة هذه الرواية لا بل وحدّد أسلوب التناول والمعالجة!

ومع ذلك فلم تقدم لنا عاشور أية إجابة قاطعة بل تركت السؤال حائماً حائرا ً في فضاء الرواية وتركت لنا مهمة الإستنتاج!

فهل الإجابة على سؤال كهذا هي مهمة المؤرخ ام عالم الإجتماع أم الروائي أو حتى المتدين أو المسيس المؤدلج؟

وربما تجتمع آراء هؤلاء في نقطةٍ عند تقاطع واحد،أن الترف والإسراف والتدهور الأخلاقي هو السبب الكامن وراء تدهور الحضارات وانهيارها.

ولكن الرواية لم تنحُ إلى هذا المنحى أو تذهب هذا المذهب،بل قدمت تفسيراً آخر مختلفاً تماماً ألا وهو انتصار التوحش والتعصب والغوغائية في لحظة تاريخية ما على الحضارة والرقي والعلم والاستنارة.

ومع ذلك دارت في حلقة مفرغة وعادت إلى النقطة الأولى،لماذا يحدث هذا أو لماذا يسمح الله به كما جهر بذلك  أبو جعفر الورّاق!

والغريب جدّاً ان رضوى بالرغم من توجهها الفكري قد قدّمت إجابة متدينة غيبية!

ببساطة أن هذه القرية قد بطرت معيشتها وكفرت بأنعم الله فوهنت ووهت وتشعثت وتفرق أمرها وتقاتلت على الغنيمة،مولية ظهرها لعدوها،أفلا يعيدنا ذلك بالفعل إلى معركة أحد؟ حين لم تصمد الحامية وأولت ظهرها لعدوها ؟   البطر والتهاون هذا هو مؤداه الحتمي لكي تبقى معادلة التاريخ قائمة نقرأ فيها حكمته سبحانه، أنه  ومن يكفر بأنعم الله  فلن ينتظره إلا هذا المصير،وهذه الإجابة ليست بعيدة عن القراءة التي يقدمها الباحثون في الحضارات فأسباب التفسخ والانهيار تبدأ بالانحلال الأخلاقي والتدهور القيمي، والتنازع السياسي، وهذا ما لم تصرح به الرواية ولكنها حتماً ألمحت إليه لا بل تضمنته بين سطورها بلا أي لُبس!

نزار حسين راشد

إقرأ أيضاً

ملاك - قصة قصيرة

أضفى حضورها هالة من الملائكية،وأنا أتطلع إلى هاتين العينين الخضراوين الواسعتين اللتين احتوتاني بإشفاق أُمٍّ تحضن طفلاً! كنتُ أتوقّع أن تستقبلني استقبالاً جافّاً مُطعّماً رُبّما بشيءٍ من المجاملة،خاصّة بعد أن أوضحت ُلموظفة الاستقبال أنني أحد أقاربها الذين جفوها طويلاً وصرّموا حبال الود معها،بعد أن نُمي إليهم أنّها تنصّرت. في الحقيقة لم أكن أعرف عن هذه القريبة التي تربطني بها رابطة الدم شيئاً،إ...

شعر نزار حسين راشد"في انتظار طلقة البدء"

مرتقياً عقاربَ الوقتِ زارعاً مزولتي بعرض جبيني ممسكاً بزمام السنين واقفاً على بابِِ بيتي العتيق منذُ شبّت خُطايَ مراوحاً بين الحراسة والعشق قد يطول أو يقصرُ الليلُ وقد تتوانى قطّارةُ الوقتِ ولا يتوانى بقلبي اليقين سينبلجُ الصّبحُ عمّا قريب فالصّبح لا يُخلف وعدهُ ابداً أبداً لم أعاتب الدهرَ مقيماً على الأمل المائلِ لم أغيّر فرسي ولا عتبة بيتي وكُنتً أُخرجُ سيفيَ من تحت رأسي وأ...

في ذكرى وفاة نعيمة المشايخ مجلّة (هلال الهند) تصدر عدداً كاملاً عن ابنتها سناء الشعلان

نيودلهي/ الهند: أعلن البرفيسور الهنديّ مجيب الرّحمن من مركز الدّراسات العربيّة والإفريقيّة من جامعة جواهر لآل نهرو الهنديّة عن إصدار عدد خاصّ وكامل من المجلّة العلميّة الهنديّة المحكّمة الفصليّة الدّوليّة الصّادرة باللّغة العربيّة (هلال الهند) (العدد الثالث سبتمبر 2021) عن الإبداع الأدبيّ للأديبة العربيّة د. سناء الشّعلان في ذكرى رحيل والدتها الأديبة والأمّ المثاليّة الرّاحلة نعيمة المشايخ....

نعيمة المشايخ أمّ الأديبة د. سناء الشعلان في ذمّة الله تعالى

عمان/ الأردن: انتقلت الأمّ المثاليّة والأديبة نعيمة المشايخ والدة الأديبة د. سناء الشّعلان إلى رحمة الله تعالى، وقد نعتها ابنتها د. سناء نعياً مؤثّراً قالتْ فيه: "شاء الله العزيز القّهار أن ترحل الدّنيا كلّها عنّي يوم الأحد فجراً الموافق 12/9/2021 برحيل أمّي الطّاهرة الحبيبة عن هذه الدّنيا التي كانتْ زينتها الوحيدة بالنّسبة لي. رحلتْ أمّي عن الحياة بعد صراع مرعب مع السّرطان الذي هاجم جس...

"ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور: قراءة في ما وراء السطور"

ربما أسهب النّقاد في تحليل وتصوير هذه الرواية،من زوايا رؤية مختلفة،وكثير مما قالوا جدير بالاعتبار،ويلقي كثيراً من الضوء على زواياها وخباياها. ومع ذلك يبقى الكثير مما لم يلتفتوا إليه أو ربما لم يشُدُ انتباههم أو عُمّي عليهم. الأندلس،غرناطة،أبو عبد الله الصغير،ثلاثية خاضت في بحرها الأقلام طويلاً،وأهدر في شأنها حبرٌ كثير،وما يجمع هذه الأعمال كلها هو حقائق التاريخ،فالرواية التاريخية لا تستطيع ت...

حين تشبين نحوي شعر لنزار حسين راشد

"رحلة العُمر" كأنّني ارتحلتُ من آخر الدُّنيا لكي ألقاكِ ها هنا كأنّما كنتِ على جمر القلق واقفةً بالانتظار كأنني لحقتُ بالقطار في اللحظة الأخيرة ما أجمل الوصول ما أجمل الوصول إذ يطفيءُ وهج النّار ما أجمل الرّحيل برفقة الحبيبِ إذ تلتصقُ الأكتاف أو تميل بعضاً على بعضٍ تشتبك الأكُفُّ أو تُعتنقُ الخُصور ما أجمل الدُّهورَ حين تكشفُ الأستار عن فرحٍ خبيءٍ خلف ساعة الأعمار يا ح...

إلى شاعر معاصر، أقرأ شعرك لا فائدة.. شعر نزار حسين راشد

أقرأُ شِعركً لا فائدة يعبؤني بالفراغ المقيت.. وإذ لم يستدرج الشعر عاطفتي ويوقعني في الشّرك فما الفائدة؟ إذا كنت تُركّب لي الحُروف وتطلقها طائرةً من ورق لِمَ أتبعُك وأنت تجعل الذئب يأكل يوسف من أوّل الجهر وتلقي الصّخور بمجرى القدر فكيف آمنُ شِعرك على مستقبلي ومصيري وأنت تُضيّقُ جدران سجني وتمنعني أن أفر وكيف أقرّ بأنّ قولك الحقُّ وأنت تصادر حلمي وتدعوه وهماً وتحبسني بمبتدأ الق...

يقين قصيدة نثر لنزار حسين راشد

احذر، فهم يريدون أن يدفعوك إلى الكفر، بإيهامك أنهم يصنعون الحدث، وأنْ ليس لله يدٌ بما كان أو سيكون، فهم ينصبون آلهةً من حجارٍ وطين، ديمقراطية وخبزاً وحُرّيةً للمضطهدين، ثم يهوون عليها أمام عينيك بالفؤوس والمطارق كالمجانين! لا تبتئس فهي مسرحيّةٌ وعبث، لكي يوهموك أن فلسطين لن تتحرّر وقد تأخّر الوعد كثيراً. وأنّ الشعوب ليس بيدها شيءٌ وأنك فردٌ من قطيع المساكين! وها هم اقاموا خشباً مسنّدةً وب...

عن قرطاج وهنيبال وقائد الغال

شعر نزار حسين راشد عن قرطاج وهنيبال وقائد الغال " لا ينقص تونس شيء لتُكمل الرحلة لا عربةٌ ولا عجلاتٌ فلماذا إذن أيُّها السائقُ أوقفت العربة في المنتصف؟ ولماذا يا سليل هانيبال قَبّلت صدر قائد الغال وصرت على قرطاج عارا ً ومنقصةً ولم يعُد بقرطاج متّسعٌ لمن ألقى لروما السّلَم لم يعد عرش هنيبعل لائقاً بك لماذا بعد أن نعيت على المطبعين خياناتهم قعدت مع القاعدين حتى تحدّاك إيدي كوهين ...

باحثتان تدرسان قصص سناء الشعلان في جامعة محمد بوضياف

جامعة محمد بوضياف/ المسيلة/ الجزائر: ناقشت الباحثتان الجزائريتان (كريمة خلوف) و(زينب روان) في قسم اللّغة العربيّة والأدب العربيّ في كليّة الآداب واللّغات في جامعة محمد بوضياف الجزائريّة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماستر في تخصّص الأدب الحديث المعاصر، وهي تحمل عنوان "البعد التّحرّريّ وقداسة المكان في المجموعتين القصصيتين تقاسيم الفلسطينيّ وحدث ذات جدار لسناء شعلان". وأشرفت الأستاذ...

وهّاب يناقش أطروحته عن قصص سناء الشعلان

جامعة مصطفى اسطنبولي/ الجزائر: ناقش الباحث الجزائري (محمد وهّاب) في قسم اللّغة العربيّة والأدب العربيّ في كليّة الآداب واللّغات في جامعة مصطفى اسطنبوليّ أطروحته للدكتوراه استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الدّكتوراه في تخصّص مناهج النّقد الحديث، وهي تحمل عنوان "الرّؤية والتّشكيل في المنجز القصصيّ لسناء الشعلان". وأشرف الأستاذ الدكتور الجزائري نور الدّين صدّار على هذه الأطروحة النّقديّة ا...

الظلال الأدبية واللغوية في السردية القرآنية

في مائة وإحدى عشرة آية، روى لنا القرآن الكريم ملحمة سيدنا يوسف، بنص محصن وعصي على الجرح والتعديل . فما هي الملامح والصور اللغوية الموحية في هذا النص المحكم الكريم؟ تتنقل بك الآيات برهافة وانسيابية لغوية بين الحدث وبين النوازع البشرية الكامنة وراءه وترسم لك حدوداً واضحة فارقة بين الهوى وبين الضوابط الأخلاقية وكيف يتعدي أحدهما على الآخر! حين كتب دوستويفسكي الجريمة والعقاب جعل بطلها راسكولينكوف ...

ظلال الزمن- قصة قصيرة، نزار حسين راشد

ظلال الزمن" عائدٌ إلى قريتي،أو ما كنت أظنها قريتي،تغيرت أشياء كثيرة،تلتقطها العين للوهلة الأولى،شوارع جديدة واسعة،محلّات فخمة بواجهات لامعة،توقّفت أمام أحدها لأشتري شيئاً للعائلة فلم أحضر معي أية هدية،تثاقلاً من حملها كُلّ تلك المسافة،شدّ انتباهي حصانٌ وحيد مربوط إلى عامود كهرباء،يقف بجانبه فتىً يافع،مشهدٌ طمأنني أن أنفاس القرية لا تزال حائمة في الهواء،على الرغم من كل ذاك التأنق،الذي يتعب في اصطن...

مدن ساحلية شعر نزار حسين راشد

"مدن ساحلية" عندما تضرب أمواج الحنين شواطيء الذاكرة يبعث الزمن حيّاً ومراوغاً كقامات الموج في المدن الساحليّة لا بطاقات تعارف لا نظرات متسائلة ولا خطى حذرة شرعة البحر التصالح مع الوافدين والغرباء في تلك المدينة المتوحّدة الّتي يهرب ناسها من القيظ إلى الظلال الخفيّة يمتزج الغريب بالماء والهواء في صوفيّة المآذن البيضاء تستحمّ وحيدةً في سطوع الشمس الأشرعة البيضاء تصطاد النس...

المزيد...