Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

ظلال الزمن- قصة قصيرة، نزار حسين راشد

تاريخ النشر: 7/8/2021 8:50:57 AM

ظلال الزمن"

عائدٌ إلى قريتي،أو ما كنت أظنها قريتي،تغيرت أشياء كثيرة،تلتقطها العين للوهلة الأولى،شوارع جديدة واسعة،محلّات فخمة بواجهات لامعة،توقّفت أمام أحدها لأشتري شيئاً للعائلة فلم أحضر معي أية هدية،تثاقلاً من حملها كُلّ تلك المسافة،شدّ انتباهي حصانٌ وحيد مربوط إلى عامود كهرباء،يقف بجانبه فتىً يافع،مشهدٌ طمأنني أن أنفاس القرية لا تزال حائمة في الهواء،على الرغم من كل ذاك التأنق،الذي يتعب في اصطناعه أهل الأرباف ليقفوا على قدمٍ واحدة مع أهل المدن، توقّفت مخاطباً الفتى،ومتنسّماً رائحة الحصان لأبعث في روحي ذكرياتٍ هجعت منذ زمنٍ بعيد في ركنٍ منسي،وأستعيد تلك الحميمية الضائعة!

-ما شاء الله عن هالحصان!

ثنى ساعده وهو يخفي ضحكاته في كُمّه،مُتستّراً على جهلي،وحتى لا يحرج هذا الرجل المديني المتأنّق،وأخيراً نطق على استحياء:

-هذه فرس يا صديقي وليست حصاناً! واستدرك:بعد إذنك يعني!

وحين جلجلت ضحكتي في الفضاء الصّامت الذي يُغلّف بكور الصّباح،ترخّص في محادثتي،ربما رفعاً للكلفة،ولينصب لي فخّاً لمجاراته في الحديث،ربما ليشبع فضوله بخصوص هذا الغريب الوافد من لجاجات المدن،فأشار إلى حسناء عابرة محصنّة بثوب سابل ووشاح رأس كشف خصلة أمامية من شعرها،لمعت بلون كستنائي برّاق وكأنه شعّة ضوء تخطف غفلة العيون التي لا تزال مخمّرةً بنعاس الصّباح:

- هذه أيضاً فرس يا سيدي إذا كنت مغرماً بالأفراس!

عقّب مثنيّاً على ضحكتي!

-ابنة من هذه من أهالي القرية؟

- بل قل زوجة من؟

مثلها لا يمكث طويلاً على رصيف الإنتظار!

بل سرعان ما يخطفها صاحب النّصيب!

أنت ضيف على من من أهل قريتنا..بلا ثقالة يعني للسؤال!

- أنا لست غريباً! انا الدكتور يونس ابن الحاج فؤاد ولكني لم أخبر احداً بقدومي..أردت ان أدخل القرية على حين غفلة من أهلها!

- ما شاء الله حافظ للقرآن كمان..طيّب كمّل معروفك وقل لي،من أي سورة هذه من سور القرآن..

متردّداً أجبت: طه على ما أعتقد!

- لا يا صديقي... هذه من سورة القصص... طيب فمن أي سورة آية: فأصبح في المدينة خائفاً يترقّب!

- من سورة النمل ربما!

- لا يا صديقي... إنها من نفس السورة "القصص"، ولكن هل بإمكانك أن تخبرني لماذا قال المدينة هنا وهناك قال القرية والمكان هو نفسه؟

تراوح ذهني في حيرته محاولاً العثور على إجابة تنقذ كبريائي اأمام هذا الشاب المتحاذق ولكني أخيراً أعلنت مستسلماً : لا أعرف!

هزّ الشاب رأسه في أسف:

- لا غرابة !

فقد سألت هذا السؤال لأكثر من مائة شخص حتى الآن بين مُتعلّمٍ وغير متعلّم، ولم  يجبني أحد،حتى المتعالمين الذين يبتدعون لك إجابات مرتجلة من قدحات رؤوسهم لم يتجرّأوا على ارتجال إجابة!

كنا قد قطعنا مسافة باتجاه بيتنا وهو يقود الفرس ملازماً جانبي،حتى وصلنا أخيراً لنفاجأ بوالدي على الباب وكأنه كان واقفاً لا ستقبالي..وعلّق الشاب:

- إنه قلب الأب .. إياك أن تعتقد أنها محض صدفة.

عانقني والدي واحتضنني بذراعين مفتوحتين وأسارير منفرجة،ثم نظر إلى الشاب من زاوية عينه وعلّق:

- وقعت في براثن حسن،هل حللت اللغز الذي ألقاه عليك!

- للأسف يا والدي.. لم أفلح.. يبدو أنه الشاطر حسن مش  حسن بس!

رفض حسن دعوة والدي للدخول،ونبّهني وهو يصعد إلى ظهر الحصان:

- فكّر فيها يا دكتور.. ربما يفتح الله عليك ويشفي غليلي وأرتاح على يديك!

قضيت ما تبقى من يومي ساهماً مما أثار استغراب أمي وإخوتي،وآويت إلى مضجعي باكراً متعذّراً بالتعب وفي الحقيقة كنت أريد الإنفراد بنفسي وإمعان التفكير وتقليب الذهن لعلي أعثر على إجابة لسؤال الشاطر حسن،وتقلّبت في فراشي وقلقت ولم أنم،حتى إذا أصبح الصباح وظهر بنوره ولاح،تذكرت أن اللفظتين وردتا في سورة يوسف أيضاً،فأسرعت إلى المصحف واختطفته مقلّباً صفحاته وقرأت في الموضعين: واسأل القرية التي كنا فيها!

وقال نسوة في المدينة!

ثم تذكّرت قول فرعون في سورة الأعراف:

إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها!

وتنبه ذهني في صفاء الصباح اأنّ لفظ المدينة يأتي في سياق الحديث عن الناس والمجتمع!

أما لفظ القرية فيأتي متعلّقاً بالمكان!

ارتحت لهذا الإستنتاج، فأويت إلى مخدعي ونمت نوماً عميقاً طويلاً،وحين أتوا لإيقاظي بعد أن تجاوزت الساعة الظهيرة،كان أول ما نطقتٌ به بعد أن فتحتٌ عيني موجهّاً السؤال لأخي الصغير:

- هل تعرف بيت حسن صاحب الفرس في هذه القرية؟

لوى أخي شفتيه ومصمص فمه وقال في تأسٍّ:

- علومك قديمة يا اخوي! قريتنا لم تعد قرية،لقد أصبحت مدينة عامرة بأهلها، والوحيد الذي لا يزال يفكّر مثلك  هو حسن ولذا لا يزال يحتفظ بفرسه ويرفض أن يبيعها بأي ثمن تناول إفطارك أولاً وسأذهب لأدعوه لك!

قلت لأخي: أخّر الإفطار قليلاً ريثما أصلي ركعتين!

حضرت أمي بصينية الإفطار ونطقت عيناها بالدهشة وهي تراني مستغرقاً في الصلاة وأرتل بصوتٍ جهير:

واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها!

وضعت الصينية جانباً وجلست تتأمّلني بعينين حانيتين وأنا مستغرق في الصلاة مترنّماً بآيات القرآن في خشوعٍ يبثّ السكينة في جوارح كل من يصغي إليه ويسمو به إلى سماء لم ترق إليها حواسه من قبل.

نزار حسين راشد

إقرأ أيضاً

"ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور: قراءة في ما وراء السطور"

ربما أسهب النّقاد في تحليل وتصوير هذه الرواية،من زوايا رؤية مختلفة،وكثير مما قالوا جدير بالاعتبار،ويلقي كثيراً من الضوء على زواياها وخباياها. ومع ذلك يبقى الكثير مما لم يلتفتوا إليه أو ربما لم يشُدُ انتباههم أو عُمّي عليهم. الأندلس،غرناطة،أبو عبد الله الصغير،ثلاثية خاضت في بحرها الأقلام طويلاً،وأهدر في شأنها حبرٌ كثير،وما يجمع هذه الأعمال كلها هو حقائق التاريخ،فالرواية التاريخية لا تستطيع ت...

حين تشبين نحوي شعر لنزار حسين راشد

"رحلة العُمر" كأنّني ارتحلتُ من آخر الدُّنيا لكي ألقاكِ ها هنا كأنّما كنتِ على جمر القلق واقفةً بالانتظار كأنني لحقتُ بالقطار في اللحظة الأخيرة ما أجمل الوصول ما أجمل الوصول إذ يطفيءُ وهج النّار ما أجمل الرّحيل برفقة الحبيبِ إذ تلتصقُ الأكتاف أو تميل بعضاً على بعضٍ تشتبك الأكُفُّ أو تُعتنقُ الخُصور ما أجمل الدُّهورَ حين تكشفُ الأستار عن فرحٍ خبيءٍ خلف ساعة الأعمار يا ح...

إلى شاعر معاصر، أقرأ شعرك لا فائدة.. شعر نزار حسين راشد

أقرأُ شِعركً لا فائدة يعبؤني بالفراغ المقيت.. وإذ لم يستدرج الشعر عاطفتي ويوقعني في الشّرك فما الفائدة؟ إذا كنت تُركّب لي الحُروف وتطلقها طائرةً من ورق لِمَ أتبعُك وأنت تجعل الذئب يأكل يوسف من أوّل الجهر وتلقي الصّخور بمجرى القدر فكيف آمنُ شِعرك على مستقبلي ومصيري وأنت تُضيّقُ جدران سجني وتمنعني أن أفر وكيف أقرّ بأنّ قولك الحقُّ وأنت تصادر حلمي وتدعوه وهماً وتحبسني بمبتدأ الق...

يقين قصيدة نثر لنزار حسين راشد

احذر، فهم يريدون أن يدفعوك إلى الكفر، بإيهامك أنهم يصنعون الحدث، وأنْ ليس لله يدٌ بما كان أو سيكون، فهم ينصبون آلهةً من حجارٍ وطين، ديمقراطية وخبزاً وحُرّيةً للمضطهدين، ثم يهوون عليها أمام عينيك بالفؤوس والمطارق كالمجانين! لا تبتئس فهي مسرحيّةٌ وعبث، لكي يوهموك أن فلسطين لن تتحرّر وقد تأخّر الوعد كثيراً. وأنّ الشعوب ليس بيدها شيءٌ وأنك فردٌ من قطيع المساكين! وها هم اقاموا خشباً مسنّدةً وب...

عن قرطاج وهنيبال وقائد الغال

شعر نزار حسين راشد عن قرطاج وهنيبال وقائد الغال " لا ينقص تونس شيء لتُكمل الرحلة لا عربةٌ ولا عجلاتٌ فلماذا إذن أيُّها السائقُ أوقفت العربة في المنتصف؟ ولماذا يا سليل هانيبال قَبّلت صدر قائد الغال وصرت على قرطاج عارا ً ومنقصةً ولم يعُد بقرطاج متّسعٌ لمن ألقى لروما السّلَم لم يعد عرش هنيبعل لائقاً بك لماذا بعد أن نعيت على المطبعين خياناتهم قعدت مع القاعدين حتى تحدّاك إيدي كوهين ...

باحثتان تدرسان قصص سناء الشعلان في جامعة محمد بوضياف

جامعة محمد بوضياف/ المسيلة/ الجزائر: ناقشت الباحثتان الجزائريتان (كريمة خلوف) و(زينب روان) في قسم اللّغة العربيّة والأدب العربيّ في كليّة الآداب واللّغات في جامعة محمد بوضياف الجزائريّة استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماستر في تخصّص الأدب الحديث المعاصر، وهي تحمل عنوان "البعد التّحرّريّ وقداسة المكان في المجموعتين القصصيتين تقاسيم الفلسطينيّ وحدث ذات جدار لسناء شعلان". وأشرفت الأستاذ...

وهّاب يناقش أطروحته عن قصص سناء الشعلان

جامعة مصطفى اسطنبولي/ الجزائر: ناقش الباحث الجزائري (محمد وهّاب) في قسم اللّغة العربيّة والأدب العربيّ في كليّة الآداب واللّغات في جامعة مصطفى اسطنبوليّ أطروحته للدكتوراه استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الدّكتوراه في تخصّص مناهج النّقد الحديث، وهي تحمل عنوان "الرّؤية والتّشكيل في المنجز القصصيّ لسناء الشعلان". وأشرف الأستاذ الدكتور الجزائري نور الدّين صدّار على هذه الأطروحة النّقديّة ا...

الظلال الأدبية واللغوية في السردية القرآنية

في مائة وإحدى عشرة آية، روى لنا القرآن الكريم ملحمة سيدنا يوسف، بنص محصن وعصي على الجرح والتعديل . فما هي الملامح والصور اللغوية الموحية في هذا النص المحكم الكريم؟ تتنقل بك الآيات برهافة وانسيابية لغوية بين الحدث وبين النوازع البشرية الكامنة وراءه وترسم لك حدوداً واضحة فارقة بين الهوى وبين الضوابط الأخلاقية وكيف يتعدي أحدهما على الآخر! حين كتب دوستويفسكي الجريمة والعقاب جعل بطلها راسكولينكوف ...

ظلال الزمن- قصة قصيرة، نزار حسين راشد

ظلال الزمن" عائدٌ إلى قريتي،أو ما كنت أظنها قريتي،تغيرت أشياء كثيرة،تلتقطها العين للوهلة الأولى،شوارع جديدة واسعة،محلّات فخمة بواجهات لامعة،توقّفت أمام أحدها لأشتري شيئاً للعائلة فلم أحضر معي أية هدية،تثاقلاً من حملها كُلّ تلك المسافة،شدّ انتباهي حصانٌ وحيد مربوط إلى عامود كهرباء،يقف بجانبه فتىً يافع،مشهدٌ طمأنني أن أنفاس القرية لا تزال حائمة في الهواء،على الرغم من كل ذاك التأنق،الذي يتعب في اصطن...

مدن ساحلية شعر نزار حسين راشد

"مدن ساحلية" عندما تضرب أمواج الحنين شواطيء الذاكرة يبعث الزمن حيّاً ومراوغاً كقامات الموج في المدن الساحليّة لا بطاقات تعارف لا نظرات متسائلة ولا خطى حذرة شرعة البحر التصالح مع الوافدين والغرباء في تلك المدينة المتوحّدة الّتي يهرب ناسها من القيظ إلى الظلال الخفيّة يمتزج الغريب بالماء والهواء في صوفيّة المآذن البيضاء تستحمّ وحيدةً في سطوع الشمس الأشرعة البيضاء تصطاد النس...

مقامة في العشقٍ بين المُحرّمٍ و المُباح

" حبيبتي لقد تواطأنا على الكتمان،ولكنّ مؤامرتنا فشلت في مهدها. فكيف يُكتم ما قد سارت به تُحدّث الرُّكبان ،فقد كان حُبّنا أسطع وألمع من بيارق تظاهرة صوفيّة في عزّ النهار، لا بل كانت محاولات الكتمان أبلغ في الإشهار من التصريح والإعلان! لقد أصبحنا حديث المدينة، ولم نزل طافين على بحر نميمةٍ بلا شطآن، وذكْرُنا على كُلّ لسان! فمددنا أكُفّنا في استسلام، ولم نتمالك من الإبتسام، وأكبرت شجاعتك حينها وانح...

شعر نزار حسين راشد- في القدس: جيلٌ بعد جيل

في القدس القديمة عبقٌ لا تخطؤه إلا الأنوف المزكومة بغبار الأساطير أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين وتحت حراب الجند في الأيدي المرتعشة أما أنا فأذرع شوارعها مرفوع الرأس حتى لو كبّل الجنود يدي أو ساقوني إلى محاكمهم المفروشة بكُل شيء إلا العدل أطوف على دكاكينها دُكّاناً دُكّاناً وأشتري ما تيسّر من الألعاب والهدايا وأوزعها على من أصادف من الأطفال لأجدّد فيهم شهوة الحياة فأم...

وقّع سجّل الإنتصار شعر نزار حسين راشد

"وقّع سجّل الإنتصار" من يا ترى سيوقّع السطر الأخير صاروخ غزّة إذ هوى أم جثّة الطفل القتيل هما توأمان والثار ثارٌ لن ينام والقدس مرّت من شوارع غزّة الأحرار ماسحة بكفها القدسي أجساد الصغار لا تأتني بقوائم الشهداء فنحن نعرف بعضنا وقد علا سقف الرهان من سيسبق من لجنة الخلد القريبة أو جنة الوطن المحرر من نجاسات الكفار سيمر جيشكم الخسيس من عارٍ لعار فلقد عقدنا العزم أن نحيا كما ...

صدور رواية (أَعْشَقُنِي) باللّغة بالفرنسيّة

فرنسا: صدرتْ رواية (أَعْشَقُنِي) للأديبة الأردنيّة سناء الشّعلان باللّغة الفرنسيّة عن دار لارماتون الفرنسيّة الشّهيرة للنّشر والتّوزيع (L’Harmattan)، تحت عنوان (Je m'adore) في 262 صفحة من القطع الرّوائيّ، وقد قام بترجمتها إلى الفرنسيّة الأديب والمترجم والباحث المغربيّ محمد الطّاهريّ. وقد تمّ إشهار الرّواية بشكل الكترونيّ للرّواية على الموقع الرّسميّ للدّار، وسيكون هناك حفل إشهار رسميّ...

المزيد...