Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

العطاء والعمل التطوعي ليس ترفا او منة، بل هو دفاع عن النفس

تاريخ النشر: 12/28/2021 9:06:05 PM

 

 

        عمليات تطور المجتمعات الإنسانية مبنية على جدل الصراع بين الواقع والاغتراب، وبين مالكي الثروات والاجراء، وبين المستعمر او المتسلط وطالب الحرية، او بين ما يقال عنه خير وبين ما هو شر. في خضم هذه العمليات تبرز حالات إنسانية فريدة تليّن مسننات مكائن التطور، فتضمد الجراح، وتعطر المكان بزراع إنسانية يكمن فيها الخير، ومن هذه الحالات تتجلى الاعمال التطوعية الخيرة لخدمة الانسان، فيبني الدور الحاضنة لعذابات الناس، وينشأ المؤسسات الانسانية التي تعلي من قيمة الانسان وتمسح الالم وتشفي الجراح.

في الولايات المتحدة الأمريكية ثقافة العطاء والعمل التطوعي ثقافة راسخة، يوجد في أمريكا مليون ونصف منظمة خيرية، ويتوفر شركات ومؤسسات كثيرة يلجأ اليها المتبرعون لتنظيم وادارة عمليات التبرعات.

يتطوع للأعمال الخيرية 77 مليون أميركي – 30٪ من السكان البالغين تقريبا – بوقتهم ومواهبهم وطاقتهم، حسب موقع ناشيونال فيلانثروبي ترست. ويذكر الموقع انه في عام 2017 تطوع (دون أجر) 25.1 % من البالغين، تطوعوا بأوقاتهم ومواهبهم وطاقاتهم في الاعمال الخيرية، وبما يقدر بنحو 8.8 مليار ساعة، بجهود قيمتها 195.0 مليار دولار تقريبا.

أما التبرعات العينية فقد قدم الامريكان الى الاعمال الخيرية مبلغ 471.44 مليار دولار في عام 2020 بزيادة عن عام 2019 بنسبة 5.1%، وجاء أكبر مصدر للمنح الخيرية من الأفراد بمبلغ 324.10 مليار دولار، أو 69٪ من إجمالي العطاء و31% من الشركات والمؤسسات.

العمل التطوعي والتبرعات في المجتمع الأمريكي يتشكل وينخرط فيه الناس لمعالجة فجوات النظام الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، وقد جاءت هذ المبالغ المتبرع فيها عام 2020 لتغطية نفقات رعاية الحيوانات والبيئة (11.6%)، أو التعليم غير المغطى من قبل الدولة بنسبة 15% او رعاية المشردين المنتشرين تحت الجسور، او البحث عن الجوانب الروحية في المعابد..الخ.

أما الجالية العربية الامريكية فان اهتماماتها تختلف بشكل نسبي، فخصوصياتها الاجتماعية والثقافية قد تخفف من الاثار السلبية لظروف وبيئة المجتمع الامريكية، فمثلا الاسرة العربية أكثر تماسكا وأكثر تكافلا من الاسر الامريكية، وبالتالي الفرد لا يعاني من الوحدة بنفس القدر الذي يعاني منه الامريكي فهو ابعد من الامريكي عن شبح تشرد الافراد، كما ان الثقافة العربية تساهم في التخفيف من انتشار بعض الامراض الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الأمريكي مثل الإدمان على القمار والمخدرات او الإدمان على المشروبات الكحولية. ولكن في نفس الوقت المجتمع العربي الأمريكي تٌفرض عليه آليات الدفاع عن الذات من أجل الاعتراف به ثقافياً وسياسياً واقتصادياً ليعزز قدرته على الصمود بمواجهة الحملات العنصرية ضده التي تتخذ أشكالا مختلفة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ان الجاليات العربية في الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية تواجه لوبيات الشريحة السياسية التي تستغل البعد العنصري والتي تقوم باستغلال البلدان العربية وخيراتها بالتعاون مع شرائح رجعية حاكمة في الوطن العربي، وهي التي قامت باحتلال العراق وتدميره، وهي أنشأت، ولا زالت تدعم، دولة الابارثايد المارقة إسرائيل، التي شردت الشعب الفلسطيني والتي تحتل الجولان وترفض الانصياع للشرعية الدولية وتستمر بارتكاب جرائم الحرب.

في العقد الماضي، وفي ضوء التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها الولايات المتحدة الامريكية، وازدياد نشاط الأمريكيين الافارقة، ونمو التيار اليساري في البيئة السياسية الامريكية، وازدياد المهاجرين العرب، كل ذلك، شكل بيئة حاضنة للجالية العربية الاكثر نشاطا، وعلى الأخص الجالية الفلسطينية، التي استطاعت تحقيق بعض الاختراقات، وهز العشق الأمريكي السياسي لإسرائيل. ان نشاط حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BDS) له أثر كبير، وخاصة في أوساط المؤسسات التعليمية، كما زادت وتيرة نشاط المؤسسات الامريكية العربية الطلابية والمؤسسات المجتمعية والثقافية والسياسية والإعلامية. وبذلك زادت مظاهر التضامن والمظاهرات المؤيدة لحقوق الفلسطينيين، وزادت اعداد المشاهير والسياسيين والاعلاميين ممن يقفون مع عدالة القضية الفلسطينية، واستطاعت الفلسطينية (رشيدة طليب) والصومالية (الهان عمر) الوصول الى قبة الكونجرس الأمريكي، هذا إضافة الى وصول اخرين الى مواقع حكومية في الولايات.  

 ان العوامل الإنسانية والاجتماعية والوطنية، وعمليات تطوير واستمرار النشاط القائم، تحتم على أبناء الجالية العربية وليس الفلسطينيين فقط، ان يستلهموا من المجتمع الأمريكي ثقافة العطاء، وان ينضوا في الجمعيات الإنسانية والخيرية والسياسية السلمية التطوعية، التي تعمل على الساحة الامريكية او التي تدعم وتخفف من معاناة ابناء الوطن العربي المقهور. ان حب الخير للتبرع بسخاء للمؤسسات التي تعلي من شأن الجالية العربية ليس ترفا وليس منة، بل هو دفاع عن النفس ليصبح الصوت مسموعا، في عالم لا يسمع الا صوت القوي.

ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

منسق عملية السلام في فلسطين وأسئلة بلا أجوبة

عبد الحميد صيام لا يكاد يمر يوم واحد من أيام عمل الأمم المتحدة الخمسة، من دون أن ألقي سؤالا حول القضية الفلسطينية على المتحدث الرسمي للأمين العام، أو نائبه أو مسؤول أممي أو سفير معتمد لدى المنظمة الدولية، يقف أمام الصحافة المعتمدة. الغالبية العظمى من الأسئلة تتعلق بمعاناة هذا الشعب المقهور، الخاضع لنظام الفصل العنصري المستهتر بالقانون الدولي. وأكثر ما أركز عليه مسألة ازدواجية المعايير والكيل...

مصر ناصر التي نحبها

بمقدار ما تألّم العرب من تهميش دور مصر العربي طيلة أكثر من أربعة عقود، منذ توقيع المعاهدة مع إسرائيل، بقدر ما يشدّهم الآن الحنين إلى حقبةٍ ما زالت تذكرها أجيالٌ عربية كثيرة، وهي حقبة جمال عبد الناصر الذي يصادف يوم 15 يناير الذكرى 104 لميلاده. فلقد تميّزت حقبة ناصر بحالة معاكسة تماماً لما هي عليه الآن المنطقة العربية. وكانت التفاعلات السياسية والاجتماعية التي أحدثها ناصر في مصر تترك آثاراً إيجا...

حين يصنفونك شاعراً

" حين يصنفونك شاعراً" مؤخراً قرأت نعياً لامرأة وصفوها بالشاعرة المعروفة،ولأني لم أسمع بالاسم من قبل فقد خطر لي أن أبحث وأقرأ بعض ما كتبت، ولأن الشعر والنقد هوايتي التي ربما أدركت الإحتراف لا أستطيع منع نفسي من التنقيب والتعقب والتعقيب،فهذه غواية لا يقاومها أصحاب الأقلام ومن أدركتهم حرفة الأدب،الخلاصة أنني عثرت على هذا النص: ينامون على الرمل والمية ويأكلون الأفعى والحية والمقصود طبعاً هم جنو...

السلوك الاجتماعي والبناء الثقافي

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 السلوكُ الاجتماعي يُوضِّح طبيعةَ الصِّراع في النَّفْس الإنسانية ، وماهيَّةَ الأحلام التي تختبئ في أعماق الشُّعور الفردي والجماعي ، وكَينونةَ الأشياء التي تَظهر في البُنى الثقافية ، وحقيقةَ العناصر المُؤثِّرة في حركة التاريخ. وكما أنَّ وُجود المُجتمع يَسبق ماهيَّةَ العلاقات الاجتماعية ، فكذلك كِيَان الإنسان يَسبق منظومةَ الوعي بالذات والآخَر . وهذه ا...

الفلسطينيون بين التبعية والانعتاق

الفلسطينيون بين التبعية والانعتاق لقد كان عام 2021 الأكثر دموية وفتكا بالفلسطينيين منذ عام 2014، كما جاء في تقرير بيتسيلم الأخير، حيث أدت العمليات العسكرية وعمليات القتل المتعمد وهجومات المستوطنين، إلى استشهاد 319 فلسطينيّاً من بينهم 71 طفلا في المناطق المحتلّة، وبلغت الذروة في عمليات هدم المباني السكنيّة منذ خمس سنوات، وشرّدت 895 فلسطينيا. وزادت هجمات المستوطنين عن 336 هجوما. ونستطيع أن نق...

عامٌ جديد.. ومعايير المبادئ والمصالح!

صبحي غندور* إنّ نهاية عام، وحلول عام جديد، هي مسألة رقمية رمزية لا تغيّر شيئاً من واقع حال الإنسان أو المجتمعات أو الطبيعة في أيّ مكانٍ أو زمان. لكن المعنى المهمّ في هذا التحوّل الزمني الرقمي هو المراجعة المطلوبة لدى الأفراد والجماعات والأوطان لأوضاعهم ولأعمالهم بغاية التقييم والتقويم لها. فهي مناسبة لما يسمّى ب"وقفة مع النفس" من أجل محاسبتها، وهي حثٌّ للإرادة الإنسانية على التدخّل لتعديل مسار...

مصادر المعرفة في العلاقات الاجتماعية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 الوصولُ إلى مصادر المعرفة في العلاقات الاجتماعية يُمَثِّل امتحانًا لقُدرة الإنسان وتَحَدِّيًا للمُجتمع ، لأنَّ مصادر المعرفة لا تُوجد على شكل كُتَل جاهزة ، وقوالب جامدة ، ونظريات مُعَدَّة مُسْبَقًا ، وإنَّما تُوجد على شكل قِيَم فكرية مُتكاثرة ، ومعايير أخلاقية مُتَشَعِّبة ، ومبادئ وُجودية يُعاد تشكيلها باستمرار . وهذه السُّيولةُ المعرفية تُنتج سِياق...

عام صعب ينتظر بايدن: الرئيس ليس بخير

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري أفول العام الأول من عمر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، واحتفاله بعيد ميلاده الـ 78، لا يبشّران ببداية مميّزة في العام الجديد، وخصوصاً أمام عدم اتّساق وعوده الانتخابية، المفعمة بالتمنيات، مع الأداء الباهت في ملفات حيوية وحساسة، أبرزها تدهور الأوضاع الاقتصادية. أمام بايدن تحديات متعددة، تتعاظم في أولوياتها وضرورة إيجاد حلول لها، وهو ماضٍ في الاصغاء إلى مع...

أبو ‭ ‬‮«‬فروة‮» ‬‭ ‬جنان

أبو ‭ ‬‮«‬فروة‮» ‬‭ ‬جنان يوسف‭ ‬غيشان اشترى‭ ‬الرجل‭ ‬فروة،‭ ‬البرودة‭ ‬بدأت‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬خاصرة‭ ‬الارض،‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لبس‭ ‬الفروة‭ ‬كما‭ ‬يريد‭ ‬ومشى‭ ‬متباهيا‭ ‬بحلّته‭ ‬الجديدة‭.... ‬شاهده‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬فصار‭ ‬البعض‭ ‬يضحك،‭ ‬والبعض‭ ‬ينظر‭ ‬شزرا،‭ ‬وآخرون‭ ‬يلقون‭ ‬نظرات‭ ‬تتهم‭ ‬الرجل‭ ‬بالجنون‭.‬ لم‭ ‬يفهم‭ ‬الرجل‭ ‬أبو‭ ‬فروة‭ ‬الموضوع‭ ‬،‭...

العطاء والعمل التطوعي ليس ترفا او منة، بل هو دفاع عن النفس

عمليات تطور المجتمعات الإنسانية مبنية على جدل الصراع بين الواقع والاغتراب، وبين مالكي الثروات والاجراء، وبين المستعمر او المتسلط وطالب الحرية، او بين ما يقال عنه خير وبين ما هو شر. في خضم هذه العمليات تبرز حالات إنسانية فريدة تليّن مسننات مكائن التطور، فتضمد الجراح، وتعطر المكان بزراع إنسانية يكمن فيها الخير، ومن هذه الحالات تتجلى الاعمال التطوعية الخيرة لخدمة الانسان، فيبني الدور ال...

‏المراد هو الاستسلام لا السلام

المراد هو الاستسلام لا السلام في كل مناسبة، وفي مختلف وسائل الإعلام، عندما تبحث مسألة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ويوجه السؤال إلى ممثل إسرائيل أو مؤيد لها، عن سبب عدم التوصل إلى السلام، يكرر ذلك الممثل او المؤيد، جوابا يتردد دائما وهو أن إسرائيل تريد السلام وتعرض على المفاوض الفلسطيني السلام، ولكن هذا يرفضه. أي ان إسرائيل دولة مسالمة تريد السلام والوئام، ولكن الفلسطيني هو المسبب لاستمرار النزا...

الشرق الأوسط والتراجع الأميركي

جيمس زغبي منذ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، تلقيت أسئلة عدد من الصحفيين- أميركيين وعرب- حول ما يعنيه الانسحاب الأميركي للمنطقة وللقيادة الأميركية في العالم، وما الدول التي ستملأ الفراغ الذي خلفه الآن غياب الولايات المتحدة عن المشهد. ولا أشك في أن الدافع وراء هذه الأسئلة، وبنسبة ليست قليلة، هو فوضى الانسحاب والمشاهد الفوضوية في المطار والقصص الإنسانية المؤلمة لمن تُركوا هناك، والسرعة ا...

شارع عربي جرى توظيفه لمشاريع أجنبية!

إصلاح المجتمعات العربية هو الأولوية الغائبة صبحي غندور* لقد كان من الإجحاف وصف العام 2011 بأنّه عام "الثورات العربية". فالثورة تعني تغييراً جذرياً في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وليست عملية تغيير أشخاص وحكومات فحسب. الثورة تعني أيضاً توفّر قيادة واضحة ورؤية فكرية - سياسية ناضجة لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، الأمر الذي لم يتوفّر حتّى الآن في أيِّ بلدٍ عربي شهد أو يشهد حراكاً ...

قال تعالى "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك..."

المسيح -له المجد -لم يدع يوماً إلى حرب ،ولم يشارك في حرب، ولم يمارس عنفاً أو يغز أحداً. ولم يتزوج أو يسب امرأة .ولم يحاول أن يقيم دولة له على الأرض .كانت رسالته افتداء البشرية وتخليصها من شرورها فكان الفادي او المخلص والصليب مسيحياً رمزاً لهذا الفداء أو الخلاص . صلب من أجلها فمات ثم قام وفي القرآن الكريم : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى(٥٥/٥) اي رافعك وافياً بروحك وجسمك، فكان ر...

المزيد...