Al Hawadeth for Arab Americans

اليوم :
  • :
  • :

الزمن المفتوح وفلسفة الوعي بالتاريخ

تاريخ النشر: 9/10/2021 9:16:27 PM

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

1

     فلسفةُ السلوك الإنساني هي التعبيرُ الوجودي عن حركةِ الفِعل الاجتماعي الظاهري ، والتفسيرُ المركزي للوعي الذهني المُستتر . وبما أن حركة الإنسان في تاريخه الشخصي وتاريخ المجتمع ، لا تتم بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الخارجية والخصائصِ النَّفْسِيَّة الداخلية، فإنَّ هُويةً إنسانية جديدة ستنشأ بشكل مُستمر ، وتتولَّد مِن ذاتها لاكتشاف ذاتها. وهذه الهُوية تَجمع بين تاريخ الإنسان وإنسانية التاريخ ، من أجل فتحِ التاريخ الاجتماعي على أسئلة الوجود وتحدِّيات الواقع ، وأيضًا ، تَجمع بين الماهيَّة الاجتماعية والطبيعة النَّفْسية ، مِن أجل توحيدِ الزمان والمكان، وبذلك يتجسَّد الإنسانُ في التاريخ رُوحًا ومعنى ، ويتجسَّد التاريخُ في الإنسان نظامًا ومعرفةً . وهذه التبادليةُ تعني أن كُل صِفة إنسانية لها امتداد تاريخي عميق ، ولَيست وليدةَ اللحظة الآنِيَّة، وأن كُل عامل تاريخي له جُذور اجتماعية راسخة ، ولَيس مقطوعًا عن الوَعْي الإنساني بالزمن المفتوح ( حركة الماضي والحاضر والمستقبل معًا بلا فواصل في مكان يتشكَّل باستمرار ويُعاد صناعته مَعْنًى ومَبنى ) .

2

     الزمنُ المفتوح يهدف إلى مَنعِ تحوُّل التاريخ إلى فَخ ، ومَنعِ تحوُّل العلاقات الاجتماعية إلى مِصْيَدة . والتاريخُ لَيس وقائع حدثت في الماضي وانتهت ، وذهبت إلى طوايا النسيان. إن التاريخ وُجد ليبقى ، وهو في حالة صَيرورة مُستمرة ، وانتشار مُتواصل في كُل الجهات ، وتكوُّن دائم على الصعيدين : الخَطِّي البسيط ، والدائري المُركَّب . ومنطقُ التاريخ كامن وشديد التَّشَعُّب والتعقيد ، ويَصعُب السيطرة عليه . والتاريخُ يتحرَّك وفق مسارات مُتوازية ومُتقاطعة ، وكذلك يتحرَّك على شكل دوائر مُتشابكة.والتاريخُ لَيس شيئًا يأتي مِن الخَلْف، وإنما هو شيء نجده أمامنا . ومُشكلةُ الإنسان الواقع تحت ضغط التفاصيل اليومية أنَّه يَبحث عن التاريخ وراء ظَهْره لاستدعائه ، في حين أن التاريخ _ فكرًا وعاطفةً _ موجود أمام أعْيُن الإنسان ، ولا داعي لاستدعائه ، لأنَّه حاضر بكُل تجلياته ، والاستدعاء لا يكون إلا للغائب، والتاريخ لا يَغيب ، ولا يستطيع الإنسانُ تَغْييبَه حتى لَوْ أرادَ ذلك . وفلسفةُ حُضور التاريخ لا تعني الحديثَ عن الماضي ، أوْ ذِكْر إنجازات الآباء والأجداد ، أو دراسة الأُمم الخالية والشعوب السابقة. هذه أشكال للتاريخ، ومُلامَسَة للسَّطْح الزمني العَرَضِيِّ ، وجوهرُ التاريخِ مُتمركزٌ في أعماق الشُّعور وإدراكِ الذاكرة ، ومُتجذِّرٌ في الوَعْي المُسيطر على السلوك الإنساني المكشوف     ( الفِعْل ورَد الفِعْل ) ، وراسخٌ في اللاوَعْي المُهيمن على التفاعل الإنساني المَكبوت ( الأحلام والذكريات ) .

3

     كَينونة التاريخ تتشكَّل في كِيان الإنسان اجتماعيًّا وقِيَمِيًّا . والإشكاليةُ في فلسفة الوعي بالتاريخ هي أن الحضارة الإنسانية تبحث عن التاريخ في جسد الزمن ، ولا تبحث عن التاريخ في جسد الإنسان ، لأنها تعتبر الزمن هو الحاضن للأحداث والوقائع ، في حين أن الإنسان مُجرَّد كِيان واقع تحت تأثير عناصر البيئة المُحيطة وإفرازات الواقع المُعَاش . وهذه نظرة قاصرة ، لأن الإنسان صانع للقرار ، وفاعل للتاريخ ، وعُنصر مُؤثِّر ومُتَأثِّر بالتغيُّرات الزمنية ، والتحولات التاريخية، والانقلابات الفكرية، ولَيس صفحةً بَيضاء يَكتب التاريخُ عليها مسارَه، أوْ مُمَثِّلًا على مسرح التاريخ . إنَّ الإنسان تاريخ يتحرَّك ضِمن التاريخ ، ولَيس رَقْمًا مِن الأرقام ، أوْ حَدَثًا عابرًا في سِجِلَّات الحياة العَامَّة ، أوْ وثيقةً هامشيَّةً في أرشيف الحياة الخَاصَّة . وكما أن الجينات الوراثية تُوجَد في كِيان الإنسان ، ولا تُوجَد في كُتب الطِّب والبيولوجيا ( عِلْم الأحياء ) ، كذلك الصفات التاريخية تُوجَد في كِيان الإنسان ، ولا تُوجَد في كُتب التاريخ والجُغرافيا .

4

     التاريخُ حياةٌ مُوازية تُعاش لحظةً بلحظة ، وتكمن سُلطته المعرفية في قُدرته على تجسيد الأفكار الإنسانية ، والتَّجَسُّد فيها لُغةً رمزيةً تبني العلاقات الاجتماعية على الصِّيَغ العقلانية ، وقُوَّةً توليديةً للمعاني في سِياق إعادةِ تعريف الشُّعور وإعادةِ إنتاج الوَعْي ، وبُعْدًا وُجوديًّا يَستطيع صناعةَ الدَّلالات الإبداعية في هوامش المجتمع المنسيَّة. وهذا الحراك على جميع الأصعدة يُؤَدِّي إلى اكتشافِ بُوصلة الزمن في خريطة المكان ، وبناءِ خريطة المكان في تشكُّلاتِ المعرفة،وتفسيرِ طبيعة الأنظمة الفكرية التي تصهر الأشكالَ والمضامين في بَوتقة الوجود، وكُلَّما اقتربَ الإنسانُ مِن ماهيَّة الوجود ، امتلكَ القُدرةَ والجُرأةَ على تفسيره ، لَفْظًا ومعنى ، تركيبًا وتَخييلًا ، شكلًا ونَوْعًا ، تنظيمًا وتوظيفًا ، تكوينًا وتأطيرًا ، شرعيةً ومشروعيةً .

ينشر المقال في ضوء حق حرية التعبير، والآراء المنشورة تعبر عن آراء المؤلف (المؤلفين) والذي هو وحده مسؤول عنها وعن مدى صحة المعلومات الواردة، ولا تعكس بالضرورة آراء جريدة "الحواث" أو الحوادث للعرب الأمريكيين أو alhawadeth.net أو أي من محرري الجريدة أو الموقع الالكتروني .

إقرأ أيضاً

دراس قرن : وصفة النجاح لحكومة ميقاتي إذا أراد ان" ينجح"

صديقي اللبناني الغاضب وصف التشكيلة الجديدة للحكومة،بأنه لا جديد فيها،فهي حكومة استقطاب طائفي بامتياز مثل الحكومات التي سبقتها تماماً،لا بل أن الأسوأ فيها،هو تعيين جورج قرداحي،أحد المسحجين والضاربين بالكف والطبل للأسدّ كوزير للإعلام،ومعروف أن وزير الإعلام هو واجهة الدولة وصوتها الناطق،فهل هذ التعيين مقصود،بدافع التقرب والتطبيع مع النظام السوري؟ يقول صديقي إن العطار هذه المرة قد أفسد الطبخة م...

العدوُ يكره فتحَ ويمقتُها ويحقدُ عليها ويحاربُها

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي نجح الأسير المحرر زكريا الزبيدي في إظهار حقيقة الموقف الإسرائيلي من حركة فتح وأبنائها، وكشف لحركته العتيدة ولأبنائها الأحرار وللشعب الفلسطيني كله، حقيقة سياستها وطبيعة تعاملها الحاقدة عليها والكارهة لها، وذلك من خلال ما تعرض له شخصياً على أيدي جنود العدو ومحققيه، الذين لم يدخروا وسيلةً مهينة إلا واستخدموها ضده، ولا أداةً قذرةً إلا ووظفوها للتنفيس عن حقدهم وعميق كر...

لكمة كبرى لها ما بعدها

كان فيما حدث مؤخرا في فلسطين المحتلة وقع كبير لا في تلك المنطقة فحسب، ولكن أنباءه تناقلتها وسائل الإعلام عالميا. والأهم من ذلك التطور الكبير الناجم عنه في الوضع في الأراضي المحتلة بصفة عامة وفي الرأي العام العالمي تجاه ذلك الوضع. لقد كان لما فعله الشبان الفلسطينيون الستة أثر كبير على تحريك ما قد يكون قد خمد من مشاعر البعض حيال همجية الاحتلال الصهيوني وبقائه في ارض استولى عليها بقوة السلاح وا...

يحدث‭ ‬مع‭ ‬الأمريكان

يحدث‭ ‬مع‭ ‬الأمريكان يوسف‭ ‬غيشان أجمل‭ ‬التنبؤات‭ ‬التاريخية‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬يسمونها‭ ‬علم‭ ‬المستقبل‭-‬يمكن‭ ‬استنباطها‭ ‬من‭ ‬احداث‭ ‬جانبية‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬وزمان‭ ‬ما‭. ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬المطاعم‭ ‬الأمريكية‭ ‬الكبرى‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬عرضا‭ ‬فريدا‭ ‬لجلب‭ ‬الزبائن،‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬عن‭ ‬استعداده‭ ‬لتقديم‭ ‬وجبة‭ ‬مجانية‭ ‬طوال‭ ‬العمر‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ينقش‭ ...

"الإخوان المسلمون: عقيدة إسلامية أم انتهازية سياسية"

يقول المثل المتداول شعبياً: التجربة أكبر برهان،كثيرون ممن زاروا مصر معقل الإخوان الأول،وتعاملوا مع المؤسسات الرسمية أو حتى التجارية أو مجال الأعمال، يروون لك أن المنتمين للإخوان، هم نموذج سلوكي مثالي، بعيداً عن الرشوة والفساد الشائعين جداً هناك. نعم هكذا أسسهم حسن البنا، أن العقيدة تترجم وتنعكس في السلوك اليومي المشهود من الناس، مصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم"الدين المعاملة". فلما...

"الحكومة الدولية: كله تمام .."

وعلى هامش تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي في لبنان نشر بتارخ 11ايلول/2021 طلال سلمان في مدونته "على الطريق" ما نشرهفي جريدة “السفير”بتاريخ 17 شباط 2014 وبعنوان "الحكومة الدولية: كله تمام .."، وكأن الزمن يعيد نفسه، ننشر هنا النص كما ورد في المدونة: - كل حكومة في لبنان هي «حكومة دولية»، تماماً كما أن كل رئيس لهذه الجمهورية هو «رئيس دولي أو مدوّل». قد تختلف نسب الشراكة...

الزمن المفتوح وفلسفة الوعي بالتاريخ

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 فلسفةُ السلوك الإنساني هي التعبيرُ الوجودي عن حركةِ الفِعل الاجتماعي الظاهري ، والتفسيرُ المركزي للوعي الذهني المُستتر . وبما أن حركة الإنسان في تاريخه الشخصي وتاريخ المجتمع ، لا تتم بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الخارجية والخصائصِ النَّفْسِيَّة الداخلية، فإنَّ هُويةً إنسانية جديدة ستنشأ بشكل مُستمر ، وتتولَّد مِن ذاتها لاكتشاف ذاتها. وهذه الهُوية تَ...

السياسةُ الأمريكيةُ الجديدةُ في الشرقِ الأوسطِ حقيقةٌ أم سرابٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي ما من شكٍ أبداً في أن السياسة الأمريكية في الشرق الوسط قد تغيرت، ولم تعد سياستها التقليدية التي عُرفت بها هي السائدة في المنطقة، فهناك متغيراتٌ يسهل رصدها ويصعب إنكارها، وكلها تشير إلى تغيرٍ ما في ذهنية الإدارة الأمريكية تجاه أكثر من منطقة في العالم، وتجاه منطقة الشرق الأوسط بصورةٍ خاصةٍ، وتجاه القضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان الصهيوني على وجه التحديد. لكن...

تساؤلات بعد 20 سنة على أحداث 11 سبتمبر

صبحي غندور* هل كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 بدايةً لحقبةٍ زمنيةٍ جديدة في العالم، أم أنَّها كانت حلقةً في سلسلةٍ من وقائع عاشتها بلدان العالم بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة؟. وهل هو من قبيل الصدفة أن تكون المنطقة العربية، ومنطقة الخليج العربي تحديداّ، هي محطّ تفاعلات مع بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث قادت إدارة بوش الأبن حربها عل العراق بذريعة الردّ على ما جرى من إرهابٍ على أميركا أولاً، ثمّ بالح...

الخيال واللغة وأنساق المجتمع

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن 1 التحولات الرمزية في اللغة تمنح العلاقاتِ الاجتماعية القُدرةَ على إعادة صياغة إفرازات العقل الجمعي . وإعادةُ الصياغة تعني توليد نظام معرفي يُوظِّف عناصرَ الفِعل الاجتماعي في سياق التحولات الشعورية للفرد والجماعة ، ويُوازن بين التفاعليةِ الذاتية ( صورة الذات في مِرآة الذات ) والهُويةِ المُجتمعية ( شرعية المجتمع في عملية توحيد الذات والموضوع ) . وتَصَو...

تايتانك‭ ‬بالعربي

تايتانك‭ ‬بالعربي يوسف‭ ‬غيشان قلّة‭ ‬الشغل‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭ ‬التطريز‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعلّم‭ ‬ايضا‭ ‬التمسمر‭ ‬أمام‭ ‬التلفزيون‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭.. ‬ومن‭ ‬موقعي‭ ‬هذا‭ ‬شاهدت‭ ‬برنامجا‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الفضائيات‭ ‬الوثائقية،‭ ‬يبين‭ ‬للمشاهد‭ ‬بالتفصيل‭ ‬الممل‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬كامل‭ ‬لسفينة‭ ‬التايتانك‭ ‬العملاقة‭ ‬الفخمة‭ ‬التي‭ ‬غرقت‭ ‬عام‭ ‬1912،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مراجعة‭ ‬الفوا...

محاولة لتفسير ما يجري من قمع غير مسبوق‎‎

هاني المصري خططت منذ أسبوع لكتابة مقالي الأسبوعي حول أفغانستان، وما يجري فيها، ودلالات ذلك وآفاقه وانعكاساته المحتملة على حركة طالبان وأفغانستان، وعلى القضية الفلسطينية والمنطقة المجاورة لها، وعلى الولايات المتحدة التي لحق بها هزيمة، فما جرى ليس انسحابًا منظمًا، وإنما هروب مخزٍ، وكذلك على الصراع الأميركي الصيني الروسي. ولكن، ما حدث من اعتقال لواحد وعشرين شخصًا، مساء السبت الماضي، وخمسة أشخاص،...

نحافظ على أوطاننا بالحفاظ على عروبتنا

صبحي غندور* لعلّ أبرز المراجعات المطلوبة عربيًّا في هذه المرحلة ترتبط بمسألة ضعف الهويّة الوطنية الجامعة وغلبة الانتماءات الفئوية الأخرى. ففي هذه الظاهرة السائدة حاليًّا في أكثر من بلد عربي خلاصة لما هو قائمٌ من مزيج سلبيات أخرى عديدة. إنَّ ضعف الهويّة الوطنية لصالح هيمنة انتماءات ضيّقة يعني ضعفًا في البناء الداخلي. ويعني تسليمًا من "المواطن" بأنَّ "الوطن" ليس لكلِّ المواطنين، وبأنّ "الوطن" ه...

تأثير أفغانستان

جيمس زغبي خلال الأسبوع الماضي، سُئلت مراراً وتكراراً عن الانسحاب الفوضوي لإدارة بايدن من أفغانستان. كان الصحفيون الأجانب يريدون رأيي في تأثير تخلي الولايات المتحدة عن الحكومة الأفغانية، وفي المكانة الأميركية وفي ثقة الحلفاء في الالتزامات الأميركية، بينما يركز الصحفيون الأميركيون على تأثير المشاهد في مطار حامد كرزاي الدولي في كابول على شعبية الرئيس بايدن وآفاق «الديمقراطيين» في عام ...

المزيد...